سلاطينهم قديما ، ودورهم داخل سورها المحيط بها ، وأكثر أبواب القصر السلطاني من البلد وجنوب قرطبة على نهرها .
قال : وقرطبة هذه بائنة عن مساكن أرباضها ظاهرة ودرت بها في غير يوم في قدر ساعة وقد قطعت الشمس خمس عشرة درجة ماشيا .
[ وصف قرطبة للحجاري ]
وقال الحجاري : وكانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ، ومجتمع علماء الأنام الأعلام « 1 » ، بها استقرّ سرير الخلافة المروانية ، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدّية واليمانية ، وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر والشعراء ، إذ كانت مركز الكرماء ، ومعدن العلماء ، ولم تزل تملأ الصّدور منها والحقائب ، ويباري فيها أصحاب الكتب أصحاب الكتائب « 2 » ، ولم تبرح ساحاتها مجرّ عوال ومجرى سوابق ، ومحطّ معال وحمى حقائق ، وهي من بلاد الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد ، والزّور « 3 » ، من الأسد ، ولها الداخل الفسيح ، والخارج الذي يمتّع البصر بامتداده فلا يزال مستريحا وهو من تردّد النظر طليح « 4 » .
وقال الحجاري : حضرة قرطبة منذ افتتحت « 5 » الجزيرة هي كانت منتهى الغاية ، ومركز الراية ، وأمّ القرى ، وقرارة أولي الفضل والتقى ، ووطن أولي العلم والنهى ، وقلب الإقليم ، وينبوع متفجّر العلوم ، وقبة الإسلام ، وحضرة الإمام ، ودار صوب العقول ، وبستان ثمر الخواطر ، وبحر درر القرائح ، ومن أفقها طلعة نجوم الأرض وأعلام العصر وفرسان النظم والنثر ، وبها أنشئت التأليفات الرائقة ، وصنفت التصنيفات الفائقة ، والسبب في تبريز القوم حديثا وقديما على من سواهم أنّ أفقهم القرطبيّ لم يشتمل قط إلا على البحث والطلب ، لأنواع العلم والأدب . انتهى .
وقال علي بن سعيد « 6 » : أخبرني والدي أن السلطان الأعظم أبا يعقوب بن عبد المؤمن كان « 7 » لوالده محمد بن عبد الملك بن سعيد : ما عندك في قرطبة ؟ قال : فقلت له : ما كان لي أن أتكلم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها ، فقال السّلطان : إن ملوك بني أمية حين اتخذوها حضرة ملكهم لعلى بصيرة ، الدّيار الكثيرة المنفسحة والشوارع المتسعة ، والمباني الضخمة ، والنهر الجاري ، والهواء المعتدل ، والخارج النضر ، والمحرث العظيم ، والشّعراء
هامش
( 1 ) الأعلام : ساقطة في ب ، وموجودة في أ ، ه .
( 2 ) الكتائب : جمع كتيبة : القطعة من الجيش .
( 3 ) الزّور : الصّدر .
( 4 ) الطليح : المتعب .
( 5 ) في ب : استفتحت
( 6 ) في ب : وقال الإمام علي بن سعيد .
( 7 ) في ب : قال .