تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
لأدخلنّ عليك شذانقات ما دخل عليك مثلها قطّ ، عرّض له بالذي أضمره من السعي في إدخال رجال العرب عليه ، وهو لا يفطن ، فلم يتنهنه « 1 » يليان عندما استقرّ بسبتة عمله أن تهيّأ للمسير نحو موسى بن نصير الأمير ، فمضى نحوه بإفريقية ، وكلّمه في غزو الأندلس ، ووصف له حسنها وفضلها ، وما جمعت من أشتات « 2 » المنافع ، وأنواع المرافق ، وطيب المزارع ، وكثرة الثمار ، وثرارة المياه وعذوبتها ، وهوّن عليه مع ذلك حال رجالها ، ووصفهم بضعف البأس وقلّة الغناء ، فشوّق موسى إلى ما هناك ، وأخذ بالحزم فيما دعاه إليه يليان ، فعاقده على الانحراف إلى المسلمين ، واستظهر عليه بأن سامه مكاشفة أهل ملّته من الأندلس المشركين والاستخراج إليهم بالدخول إليها وشنّ الغارة فيها ، ففعل يليان ذلك ، وجمع جمعا من أهل عمله ، فدخل بهم في مركبين وحلّ بساحل الجزيرة الخضراء ، فأغار وقتل وسبى وغنم ، وأقام بها أياما ، ثم رجع بمن معه سالمين ، وشاع الخبر عند المسلمين ، فأنسوا بيليان واطمأنّوا إليه ، وكان ذلك عقب سنة تسعين ، فكتب موسى بن نصير إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك يخبره بالذي دعاه إليه يليان من أمر الأندلس ، ويستأذنه في اقتحامها ، فكتب إليه الوليد : أن خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها ، ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال ، فراجعه أنه ليس ببحر زخّار ، وإنما هو خليج منه يبيّن للناظر ما خلفه ، فكتب إليه : وإن كان فلا بدّ من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه . فبعث موسى عند ذلك رجلا من مواليه من البرابرة اسمه طريف يكنى أبا زرعة في أربعمائة رجل معهم مائة فرس سار بهم في أربعة مراكب ، فنزل بجزيرة تقابل جزيرة الأندلس المعروفة بالخضراء التي هي اليوم معبر سفائنهم ودار صناعتهم ، ويقال لها اليوم « جزيرة طريف » لنزوله بها ، وأقام بها أياما حتى التأم « 3 » إليه أصحابه ، ثم مضى حتى أغار على الجزيرة فأصاب سبيا لم ير موسى ولا أصحابه مثله حسنا ، ومالا جسيما ، وأمتعة ، وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين . فلما رأى الناس ذلك تسرّعوا إلى الدخول ، وقيل : دخل طريف في ألف رجل ، فأصاب غنائم وسبيا ، ودخل بعده أبو زرعة من البرابرة ، وليس بطريف ، في ألف رجل منهم أيضا فأصابوا أهل الجزيرة قد تفرّقوا عنها ، فضرّموا عامّتها بالنار ، وحرّقوا كنيسة بها كانت عندهم معظّمة ، وأصابوا سبيا يسيرا ، وقتلوا وانصرفوا سالمين . وقال الرازي : هو أبو زرعة طريف بن مالك المعافري ، الاسم طبق الكنية . قالوا : ثم عاود يليان القدوم على موسى بن نصير محرّكا في الاقتحام على أهل
هامش
( 1 ) يتنهنه : يتريث . ( 2 ) في ب : أسباب . ( 3 ) في ب : تتامّ .