مهترىء خاضع متمسّح ، فيما كانت الكوفة قلعة للإسلام ، ورمزا لحداثة مطلقة للعروبة .
ففي عصر الحجاج مثلا ( سنة 77 ، خلال ثورة شبيب ) ، كان لهذا الوالي أن يشير إليها بالبنان كملجأ محتقر نوعا ما لليهود والنصارى « 1 » ، وكعالم صغير للغير ، وليس بعالم الإسلام المناضل : كان هناك إذن حاجز نفساني يفصل بين المدينتين العربيتين . وفي حين كانت الكوفة تتشبع بالإسلام أكثر فأكثر ، كانت الحيرة بصدد فقدان عروبتها ، وتحدد وضعها بمغايرة دينية . إن التفتح الواضح على النصرانية الذي طرأ على الكوفة في ولاية خالد القسري ، وانطلاقة المصر نسبيا خارج حدوده الأولى ، والتضخم العظيم لتنقل البشر طيلة قرن ، والإنتصار الكامل للاتجاه العربي الإسلامي على أي شكل منافس آخر كل هذا غير من طابع العلائق . صار الآن ممكنا التمون من الحيرة وكأن المرء ذاهب إلى ضاحية ، إما بسوق الحيرة « 2 » ، إذ استمر قائما ، وهو واحد من الأسواق العشربن التي وجدت في العصر الجاهلي « 3 » ، وإما بسوق يوسف الجديد « 4 » . وتزايدت حوالي سنة 100 ه لقاءات الشعراء والأشراف المعربدين في الأديرة المحيطة بالحيرة « 5 » . كانوا يحتسون الخمر ويقولون الشعر فيها على هواهم . وقد أخذ ماضي الحيرة الذي تشهد عليه القصور القائمة على حدود الصحراء « 6 » ، يحاور الخيال والإحساس العربيين « 7 » .
سوق أسد ، وسوق يوسف ، وسوف حكمة : إن تفجّر الكوفة على الخارج ، وتدجين المحيط بالحمامات الخارجية ( حمام أعين ، الخ . . . ) ، وبالقرى ، والمزارع ، لهو بمثابة الرفع للحواجز الشرسة للكوفة الأولى . إنه شاهد على الانفتاح على العالم يعارض بشدة انغلاق وبمثابة تملك جديد لهوية مدينة مدنية تماما .
3 ) القنطرة والحمامات :
القنطرة أو الجسر المبني :
كان على أهل الكوفة أن يقتصروا لحد ذلك الوقت على جسر دائم من المراكب لكي يعبروا الفرات ويدخلوا السواد ، وكان يقف على حراسة الجسر موظفون ( كان مسروق
هامش
( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 266 .
( 2 ) الأفغاني ، مرجع مذكور ، ص 374 .
( 3 ) المرجع نفسه ، ص 374 وما بعدها .
( 4 ) ابن الفقيه ، ص 181 .
( 5 ) الشابشتي ، الديارات ، ص 236 - 257 .
( 6 ) صالح العلي ، مقال مذكور ، ولا سيما الخارطة .
( 7 ) يوسف خليف ، حياة الشعر في الكوفة ، ص 204 وما بعدها ؛ الزبيدي ، ص 115 - 120 .