تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

الفصل الثاني عصور التاريخ الأولى

مقدمة

يعتبر ابتكار الكتابة عتبة العبور من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية الأولى . ويتفق العلماء حاليا على أن هذا الحدث المهم في مسيرة الحضارات البشرية الطويلة ، وقع في بلاد ما بين النهرين ( العراق ) ، في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد ، ثم انتقل بتواتر سريع إلى مناطق الشرق الأدنى القديم الأخرى . وبابتكار الكتابة ، صار الناس يسجلون الأحداث المعاصرة ، وعبر الوثائق المكتوبة ، انتقلت المعرفة بهذه الأحداث من السلف إلى الخلف . وقد وصلت إلينا على صورة لوحات نقشت عليها رموز ، عمل العلماء على فكّها . وبقي الأقدم منها أكثر غموضا ، كما أنه الأكثر ندرة بطبيعة الحال . لكن الكتابة ليست المركب الوحيد الذي آذن بدخول العصر الجديد ، وإنما تواكب ذلك مع ظاهرتين أخريين ميّزتا حضارة هذا العصر ، على الأقل في جانبها المادي ، وهما : بناء المدن الكبيرة ، وانتشار استعمال المعادن - بدلا من الصوان - إلى جانب الفخار . وبناء عليه ، يعتقد العلماء أنه كما يصح التقسيم إلى ما قبل التاريخ وما بعده ، على أساس ابتكار الكتابة ، يصح كذلك التقسيم على أساس التمييز بين ظاهرة بناء المدن وما سبقها . كما يمكن تقسيم التاريخ بحسب المواد الأولية التي استعملها الإنسان بصورة رئيسية في تشييد حضارته المادية - الصوان والفخار والمعادن - وكل منها في حينه ، وبحسب شيوع استعماله . وإذا كانت الوثائق الأولى ، على قلتها ، لا تزال غير مفكوكة الرموز بالكامل ، وبالتالي فهي لا توفر لنا المعلومات الكافية ، فإن بقايا المدن الكبرى الأولى لا تزال مدفونة تحت طبقات سميكة من التراب والحجارة ، ومعلوماتنا عنها قليلة نسبيا . وبناء عليه ، فالباحثون في هذا العصر يعتمدون كثيرا على وثائق من فترات لاحقة ، تطرقت ، بصورة أو بأخرى ، إلى أحداث سابقة ، ولكنها خارج ذلك الزمان أو المكان ، وتستوجب التمحيص في مقدار دقتها وصدقيتها . أمّا أعمال التنقيب فمستمرة ، وهي كلما تقدمت قدمت المزيد من المعلومات ، وحفريات إبلا تشكل دليلا على ذلك .