تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
الغابات المتراجعة شمالا بفعل المناخ ، واجه إنسان الشرق الأدنى ظاهرة التصحر والجفاف بتوزيع جديد للسكان ، وتحوّل في نمط حياته ، وتنوع في غذائه ، نجم عن ذلك تطور في حضارته المادية . ويعتبر البعض هذه الفترة ، التي امتدت من 000 ، 18 سنة ق . م . إلى 000 ، 10 سنة ق . م . تقريبا ، فترة انتقالية من اقتصاد الصيد والجمع والالتقاط إلى اقتصاد الإنتاج . ومنهم من يضمها إلى الميزوليت . ويستخلص الباحثون من دراسات متعددة - مناخية وجغرافية وجيولوجية ونباتية وحيوانية وإنسانية - أن مناطق صحراوية تكونت في الأردن وفلسطين في هذه الفترة ، الأمر الذي انعكس في توزّع جديد للسكان . وانحصر التوزع الجديد في مناطق تتوفر فيها مصادر الماء والغذاء ، إذ أقام السكان مستوطنات موقتة لجماعات صغيرة من الصيادين . وإزاء نضوب مصادر معيشته ، لجأ إنسان هذا العصر إلى تنويع غذائه ، وأضاف إليه بذور الأعشاب البرية الصغيرة ، والقمح والشعير وغيرها . فأصبحت الحبوب على أنواعها عنصرا مهما في غذائه ، وبالتالي في أدوات عمله التي أصبحت تضم أدوات الطحن ومناجل الحصاد وصنانير صيد الأسماك وغيرها . وعلى اعتبار أن الحضارة الكبّارية تتبع الباليوليت الأعلى والأخير ، فهي تبشر بإنجازات كبيرة لاحقة ، أبرزها بناء البيوت الأولى التي سكنها الصيادون والملتقطون في المواسم ، إذ إنهم بنوها على شكل حفر دائرية صغيرة ، على السفوح والمنحدرات والمصاطب ، جدرها وأرضها من الطين والحجر ، وسقفها من الجلد والأغصان . وفي النقيب ، على الشاطئ الجنوبي - الشرقي لبحرية طبرية ، اكتشف أقدم بناء معروف في بلاد الشام حتى الآن ، يعود بناؤه إلى ما قبل نحو 000 ، 14 سنة ق . م . وعلى الرغم من التطور الحضاري المادي ، فإنه لا يمكن اعتبار هذا العصر جديدا تماما ، وخصوصا أن الاقتصاد البشري فيه ظل قائما على الصيد والجمع والالتقاط ، وإن بكثافة أعلى . ومهما يكن الأمر ، فإن نهاية الباليوليت ، والانتقال إلى الميزوليت ، يعنيان أمورا متباينة تماما بالنسبة إلى كل من أوروبا والشرق الأدنى . فبينما آذن غروب الحضارة المجدلانية ، ذات التراث المادي والروحي الغني في الباليوليت الأعلى ، بدخول أوروبا في فترة مظلمة استمرت خلال الميزوليت ، فإنه بشّر في المقابل ببزوغ نهضة جديدة في الشرق الأدنى ، بدأ نبضها في الحضارة الكبّارية ، وبلغ ذروته في الحضارة النطوفية . وتبرز مؤشرات هذا التحوّل في الإنجازات المادية ، التي عقبتها تطورات اجتماعية وروحية . ويعتبر البعض هذه الفترة في الشرق الأدنى منعطفا للحضارة الإنسانية .
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي — صفحة 23 | الياس شوفاني