وبغزو الإسكندر المقدوني الشرق ، دخلت بلاد الشام في منعطف تاريخي ، وفي دائرة تأثير حضاري جديد - اليونانية ( الهلينية ) - وشهدت تحوّلا سكانيا وحضاريا . لقد احتلها اليونان ( 333 ق . م . ) ، وهم يحملون لواء الهلينة ( نشر الحضارة اليونانية ) ، وفي مشروعهم توحيد العالم على أساس قيمها ونمط الحياة الذي أنتجته .
واقتتل خلفاء الإسكندر على ميراثه ، وأهملوا إلى حد كبير رسالته ، فشهدت فلسطين صراعا بين البطالسة والسلوقيين بشأنها . وبعد فترة من الفوضى ، ازدهرت البلاد اقتصاديا ، وخبرت استيطانا يونانيا كثيفا ، وحركة عمرانية واسعة ، تمثلت في بناء مدن كثيرة على النمط الهليني ( بولس ) . وورثت روما ملك اليونان وتراثهم ، وتفوقت عليهم في إدارة الدولة . فاحتلت فلسطين ( 63 ق . م . ) ، ونعمت البلاد بفترة من الاستقرار السياسي ، والانتعاش الاقتصادي ، في إطار الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف . وعندما انقسمت هذه الإمبراطورية ( 395 م ) ، وقعت فلسطين في الشطر الشرقي منها - بيزنطة - الذي تبنّى المسيحية ديانة رسمية ، الأمر الذي أعطى فلسطين أهمية خاصة ، وانعكس عليها إيجابا ، بفضل علاقتها بالتراث المسيحي . وعدا فترة قصيرة ( 611 - 628 م ) ، عندما احتلها الفرس ثانية ، ظلت فلسطين جزءا من الإمبراطورية البيزنطية حتى الفتح العربي ( 636 م ) .
وفي ظل الدولة الأموية ، التي اتخذت من بلاد الشام قاعدة لها ، وحكمت الأقاليم الواقعة بين إسبانيا في الغرب ، والهند وتركستان في الشرق ، نعمت فلسطين بالازدهار ، كما شهدت استقرار الكثير من القبائل العربية الجديدة بها ، الأمر الذي غيّر طابعها الديموغرافي بصورة جذرية . إلا إنها ، أسوة بغيرها من بلاد الشام ، تراجعت في العصر العباسي ، بل تدهورت الأوضاع فيها إلى الفوضى وعدم الاستقرار . ثم عادت لتحتل بؤرة اهتمام المشرق الإسلامي في أيام مملكة أورشليم اللاتينية ، فحظيت خلال تلك الفترة بقدر وافر من الإعمار ، استمر خلال الحكمين الأيوبي والمملوكي . ثم تحولت مرة أخرى إلى سنجق ( مقاطعة ) هامشي في العصر العثماني ، الذي امتد أربعة قرون تخللتها فترة من الحكم الذاتي أيام ظاهر العمر الزيداني ، الذي قضى عليه أحمد باشا الجزار في القرن الثامن عشر .
وسلّطت حملة نابليون الأضواء على فلسطين ، بعد فترة طويلة من التغييب تعود إلى ما بعد الحملات الصليبية تقريبا ، واشتدت بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ، وبالتالي انتقال التجارة بين الشرق الأقصى وأوروبا الغربية إليها . وكان من أهداف حملة نابليون ضرب هذا الطريق ، الذي يعطي بريطانيا الأفضلية على فرنسا ، وإعادة الاعتبار إلى طرق البحر الأبيض المتوسط ، وبالتالي إلى مصر والشرق الأدنى ،
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي — صفحة 6
مساهمون: الياس شوفاني
ص٦