سمت القبلة إلى جهة الجنوب ، مغرّبا بقدر أربع عشرة درجة . وكتب بذلك محضر ، وأثبت على ابن جماعة .
والمحراب الثّالث محراب جامع القاهرة - المعروف بالجامع الأزهر - وما في سمته من بقيّة محاريب القاهرة . وهي محاريب يشهد الامتحان بتقدّم واضعها في معرفة استخراج القبلة ، فإنّها على خطّ سمت القبلة من غير ميل عنه ولا انحراف ألبتّة .
والمحراب الرّابع محاريب المساجد التي في قرى بلاد السّاحل ، فإنّها تخالف محاريب الصّحابة ؛ إلّا أنّ محراب جامع منية غمر قريب من سمت محاريب الصّحابة . فإنّ الوزير أبا / عبد اللّه محمد بن فاتك ، المنعوت بالمأمون البطائحيّ - وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي باللّه - أنشأ جامعا بمنية زفتا في سنة ستّ عشرة وخمس مائة ، فجعل محرابه على سمت المحاريب الصّحيحة .
وفي قرافة مصر بجوار مسجد الفتح عدّة مساجد تخالف محاريب الصّحابة مخالفة فاحشة .
وكذلك بمدينة مصر الفسطاط غير مسجد على هذا الحكم .
فأمّا محاريب الصّحابة التي بفسطاط مصر والإسكندرية فإنّ سمتها يقابل مشرق الشّتاء - وهو مطالع برج العقرب - مع ميل قليل إلى ناحية الجنوب . ومحاريب مساجد القرى ، وما حول مسجد الفتح بالقرافة ، فإنّها تستقبل خطّ نصف النّهار - الذي يقال له خطّ الزّوال - وتميل عنه إلى جهة المغرب . وهذا الاختلاف بين هذين المحرابين اختلاف فاحش يفضي إلى إبطال الصّلاة .
وقد قال ابن عبد الحكم : قبلة أهل مصر أن يكون القطب الشّمالي على الكتف الأيسر .
وهذا سمت محاريب الصّحابة . قال : وإذا طلعت منازل العقرب ، وتكمّلت صورته ، فمحاذاته سمت القبلة لديار مصر وبرقة وإفريقيّة وما والاها .
وفي الفرقدين والقطب الشّمالي كفاية للمستدلّين : فإنّهم إن كانوا مستقبلين في مسيرهم من الجنوب جهة الشّمال استقبلوا القطب والفرقدين ، وإن كانوا سائرين إلى الجنوب من الشّمال استدبروها ، وإن كانوا سائرين إلى الشّرق من المغرب جعلوها على الأذن اليسرى ، وإن كانوا سائرين من الشّرق إلى المغرب جعلوها على الأذن اليمنى ، وإن كان مسيرهم إلى النّكباء التي بين الجنوب والدّبور جعلوها على الكتف الأيمن ، وإن كان مسيرهم إلى النّكباء التي بين الشّمال والدّبور وجعلوها على الحاجب الأيمن ، وإن كان مسيرهم إلى النّكباء التي بين الشّمال والصّبا جعلوها على الحاجب الأيسر .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 39
مساهمون: المقريزي
ص٣٩