تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
فلمّا انقضت أيّام الزّيادة ، ثبت الماء ولم ينزل في أيّام نزوله . ففسدت مطامير الغلّات ومخازنها وشونها ، وتحسّن سعر السكر والعسل ، وتأخّر الزّرع عن أوانه لطول «
( a
» مكث الماء . فكتب لولاة الأعمال بكسر التّرع والجسور كي ينصرف الماء عن أراضي الزّرع إلى البحر الملح ، واحتاج النّاس إلى وضع الخراج عن بساتين بولاق والجزيرة ، ومسامحتهم بنظير ما فسد من الغرق ، وفسدت عدّة بساتين إلى أن أذن اللّه تعالى بنزول الماء ، فسقط كثير من الدّور . وأخذ السّلطان في عمل الجسور ، واستدعى المهندسين ، وأمرهم بإقامة جسر يصدّ الماء عن القاهرة خشية أن يكون نيل مثل هذا ، وكتب بإحضار خولة البلاد . فلمّا تكاملوا أمر بهم «
( b
» ، فساروا إلى النّيل وكشفوا السّاحل كلّه ، فوجدوا ناحية الجزيرة ممّا يلي المنية قد صارت أرضها وطيئة ، ومن هناك يخاف على البلد من الماء . فلمّا عرّفوا السّلطان بذلك ، أمر بإلزام من له دار على النّيل بمصر أو منشأة المهراني أو منشأة الكتّاب أو بولاق ، أن يعمّر قدّامها على البحر زربيّة «
( c
» ، وأنّه لا يطلب منهم عليها حكر ، ونودي بذلك ، وكتب مرسوم بمسامحتهم من الحكر عن ذلك . فشرع النّاس في عمل الزّرابي ، وتقدّم إلى الأمراء بطلب فلّاحي بلادهم ، وإحضارهم بالبقر والجراريف لعمل الجسر من بولاق إلى منية السّيرج . ونزل المهندسون فقاسوا الأرض ، وفرضوا لكلّ أمير أقصابا معيّنة ، وضرب كلّ أمير خيمته ، وخرج لمباشرة ما عليه من العمل « 1 » . فأقاموا في عمله عشرين يوما حتى فرغ ، ونصبت عندهم الأسواق . فجاء ارتفاعه من الأرض أربع قصبات في عرض ثماني قصبات ، فانتفع النّاس به انتفاعا كبيرا . وقدّر اللّه سبحانه وتعالى أنّ الزّرع في تلك السنة حسن إلى الغاية ، وأفلح فلاحا عجيبا ، وانحطّ السّعر لكثرة ما زرع من الأراضي وخصب السّنة . وكان قد اتّفق في سنة سبع عشرة وسبع مائة غرق ظاهر القاهرة أيضا ؛ وذلك أنّ النّيل وفّى ستة عشر ذراعا في ثالث عشر جمادى الأولى - وهو التاسع والعشرون من شهر أبيب ، أحد شهور القبط - ولم يعهد مثل ذلك ، فإنّ الأنيال البدرية يكون وفاؤها في العشر الأوّل من مسرى .
هامش
( aبولاق : لكثرة ما .( bبولاق : أمرهم .( cبولاق : زربية . ( 1 ) المقريزي : السلوك 2 : 251 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 9 : 124 - 126 ؛ وانظر فيما تقدم 435 .