وفيها قرّر الشّريف الكبير العجمي والشّيخ نجيب الدّولة الجرجرائي والشّيخ العميد محسن بن بدوس مع القائد معضاد ، ألّا يدخل على الظّاهر أحد غيرهم ، وكانوا يدخلون كلّ يوم خلوة ، ويخرجون فيتصرّفون في سائر أمور الدولة والظّاهر مشغول بلذّاته . وصار شمس الملوك مظفّر صاحب المظلّة ، وابن خيران صاحب الإنشاء ، وداعي الدّعاة ، ونقيب نقباء الطّالبيين ، وقاضي القضاة ، ربّما دخلوا على الظّاهر في كلّ عشرين يوما مرّة ، ومن عداهم لا يصل إلى الظّاهر «
a
» ألبتّة . والثّلاثة الأول هم الذين يقضون الأشغال ، ويمضون الأمور بعد الاجتماع عند القائد معضاد « 1 » .
ومنع النّاس من ذبح الأبقار لقلّتها ، وعزّت الأقوات بمصر ، وقلّت البهائم كلّها حتى بيع الرأس البقر بخمسين دينارا « 2 » .
وكثر الخوف في ظواهر البلد ، وكثر اضطراب النّاس ، وتحدّث زعماء الدولة بمصادرة التّجّار ، فاختلف بعضهم على بعض ، وكثر ضجيج طوائف العسكر من الفقر والحاجة فلم يجابوا ، وتحاسد زعماء الدولة ، فقبض على العميد محسن وضرب عنقه « 3 » .
واشتدّ الغلاء ، وفشت الأمراض ، وكثر الموت في النّاس ، وفقد الحيوان فلم يقدر على دجاجة ولا فرّوج ، وعزّ الماء لقلّة الظّهر . فعمّ البلاء من كلّ جهة ، وعرض النّاس أمتعتهم للبيع فلم يوجد من يشتريها « 4 » .
وخرج الحاجّ ، فقطع عليهم الطريق بعد رحيلهم من بركة الجبّ ، وأخذت أموالهم ، وقتل منهم كثير ، وعاد من بقي ، فلم يحجّ أحد من أهل مصر « 5 » .
وتفاقم الأمر في شدّة الغلاء فصاح الناس بالظّاهر : الجوع ، الجوع يا أمير المؤمنين ، لم يصنع بنا هذا أبوك ولا جدّك ، فاللّه اللّه في أمرنا « 6 » .
وطرقت عساكر ابن جرّاح الفرما ، ففرّ أهلها إلى القاهرة « 7 » .
هامش
(a) بولاق : القاهرة .
( 1 ) المسبحي : أخبار مصر 45 - 46 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 148 .
( 2 ) نفسه 46 ؛ نفسه 2 : 149 - 150 .
( 3 ) نفسه 59 ؛ نفسه 2 : 157 - 158 .
( 4 ) نفسه 69 ؛ نفسه 2 : 162 .
( 5 ) نفسه 69 ؛ نفسه 2 : 162 .
( 6 ) نفسه 73 ؛ نفسه 2 : 164 .
( 7 ) نفسه 76 ؛ نفسه 2 : 166 .