فمضى الدّقّاق وأعلم أبا زنبور ، فقام من فوره إلى مؤنس فأكبّ على رجليه [ يقبّلهما ] «
a
» ، فاحتشم منه وقال : واللّه لا أجيبك إلّا هذا الشهر الذي مضى ، ولا تعاود . ثم رجع فقال للدّقّاق : قم له بالوظيفة في المستقبل ، واعمل ما يريده . قال : فجئته وقد فرغ القمح ، ومعي الحساب وأربع مائة دينار ؛ قال : إيش هذا ؟ فقلت : بقيّة ذلك القمح . / فقال : أعفني منه ، وتركه « 1 » .
فتأمّل ما اشتمل عليه هذا الخبر من سعة حال كاتب من كتّاب مصر ، كيف كان له في قرية واحدة هذا القدر من صنف القمح ، وكيف صار ممّا يفضل عنه حتى يجعله ضيافة ، وكيف لم يعبأ بأربع مائة دينار حتى وهبها لدقّاق قمح . وما ذاك إلّا من كثرة الغنى «
b
» ، وقس عليه باقي الأحوال .
وقال عن أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي : إنّه حجّ اثنتين وعشرين حجّة متوالية ، أنفق في كلّ حجّة مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار ، وأنّه كان يخرج معه بتسعين ناقة لقتبه «
c
» التي يركبها ، وأربع مائة لجهازه وميرته ، ومعه المحامل فيها أحواض البقل وأحواض الرّياحين وكلاب الصّيد ، وينفق على الأشراف وأولاد الصّحابة ولهم عنده ديوان بأسمائهم ، وأنّه أنفق في خمس «
d
» حجّات أخر ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار « 2 » .
وكانت جاريته تواصل معه الحجّ ، ومعها لنفسها ثلاثون ناقة لقتبها «
e
» ، ومائة وخمسون عربيّا لجهازها .
وأحصى ما يعطيه كلّ شهر لحاشيته وأهل السّتر وذوي الأقدار ، جراية من الدّقيق الحوّارى ، فكان بضعا وثمانين ألف رطل .
وكان سنة القرمطي « 3 » بمكّة ، فمن جملة ما ذهب له به مائتا قميص دبيقي ، سلف «
f
» كلّ ثوب منها خمسون دينارا « 4 » .
هامش
(a) إضافة من المقفى .
(b) بولاق : المعاش .
(c) بولاق : لقبته .
(d) المقفى : عشر .
(e) بولاق : لقبتها .
(f) بولاق : ثمن .
( 1 ) المقريزي : المقفى الكبير 3 : 478 - 479 .
( 2 ) نفسه 6 : 235 .
( 3 ) أي سنة سبع عشرة وثلاث مائة والقرمطيّ المقصود هو أبو سعيد الجنابيّ .
( 4 ) المقريزي : المقفى الكبير 6 : 244 .