تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
إذا قدم عليهم جوهر أن يترجلوا مشاة في خدمته ، فلما قدم برقة افتدى صاحبها من ترجله ومشيه في ركابه بخمسين ألف دينار ذهبا ، فأبى جوهر إلّا أن يمشي في ركابه ، وردّ المال فمشى ، ولمّا رحل من القيروان إلى مصر في يوم السبت رابع عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أنشد محمد « 1 » بن هانىء ، في ذلك :
رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع * وقد راعني يوم من الحشر أروع غداة كأن الأفق سدّ بمثله * فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودّعت كيف أودع * ولم أدر إذا شيّعت كيف أشيع إلا أن هذا حشد من لم يذق له * غرار الكرى جفن ولا بات يهجع إذا حلّ في أرض بناها مدائنا * وإن سار عن أرض غدت « 2 » وهي بلقع تحلّ بيوت المال حيث محله * وجمّ العطايا والرواق المرفع وكبّرت الفرسان للّه إذ بدا * وظل السلاح المنتضى يتقعقع وعب عباب الموكب الفخم حوله * ورق كما رق الصباح الملمع رحلت إلى الفسطاط أوّل رحلة * بأيمن فأل بالذي أنت تجمع فإن يك في مصر ظماء لمورد * فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع ويمّمهم من لا يغار بنعمة * فيسلبهم لكن يزيد فيوسع
ولما دخل إلى مصر واختط القاهرة ، وكتب بالبشارة إلى المعز قال ابن هانىء :
تقول بنو العباس قد فتحت مصر * فقل لبني العباس قد قضي الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر * تصاحبه « 3 » البشرى ويقدمه النصر
ولم يزل معظما مطاوعا ، وله حكم ما فتح من بلاد الشام ، حتى ورد المعز من المغرب إلى القاهرة ، وكان جعفر بن فلاح يرى نفسه أجلّ من جوهر ، فلما قدم معه إلى مصر سيره جوهر إلى بلاد الشام في العساكر ، فأخذ الرملة ، وغلب الحسن بن عبد اللّه بن طفج ، وسار فملك طبرية ودمشق . فلما صارت الشام له شمخت نفسه عن مكاتبة جوهر ، فأنفذ كتبه من دمشق إلى المعز ، وهو بالمغرب سرّا من جوهر يذكر فيها طاعته ، ويقع في جوهر ، ويصف ما فتح اللّه للمعز على يده ، فغضب المعز لذلك ، وردّ كتبه كما هي مختومة ، وكتب إليه : قد أخطأت
هامش
( 1 ) هو الشاعر محمد بن هانىء الأزدي الأندلسي أبو القاسم وقيل أبو الحسن الشاعر المشهور قيل : إنه من ولد حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة . وكان ابن هانىء هذا في المغرب مثل المتنبي في المشرق . توفي سنة 362 ه . النجوم الزاهرة 4 / 72 . ( 2 ) في الديوان : ثوت . ( 3 ) في الديوان : تطالعه .