أظهر الإسلام في أيام الحاكم أن يعود إلى النصرانية ، فرجع إليها كثير منهم ، وصرف الظاهر وزيره عميد الدولة ، وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذبادي ، وأقام بدله أبا القاسم عليّ بن أحمد الحرحراي .
وفي سنة عشرين كانت فتنة بين المغاربة والأتراك قتل فيها كثير .
وفي سنة إحدى وعشرين بويع لابن الظاهر بولاية العهد ، وعمره ثمانية أشهر ، وأنفق على ذلك في خلع لأهل الدولة ، وطعام ونثار للعامة ما يجل وصفه .
وفي سنة اثنتين وعشرين تحرّك السعر لنقص ماء النيل ، ثم زاد بعد أوانه بأربعة أشهر .
وفي سنة ثلاث وعشرين قتل الظاهر أحد الدعاة ، فاضطربت الرعية والجند ، وتحدّث الناس بخلعه ، ثم سكنت الفتنة بعد إنفاق مال جزيل .
وفي سنة أربع وعشرين ركب وليّ العهد من القاهرة إلى مصر ، وقد زينت الطرقات ، فكان إذا مرّ بقوم قبلوا له الأرض ، ونثر يومئذ على العامّة مبلغ خمسة آلاف دينار ، فكان يوما عظيما .
وفي سنة خمس وعشرين بث الظاهر دعاته ببغداد عند اختلاف الأتراك بها ، فكثرت دعاته هناك ، واستجاب لهم خلق كثير ، فلما كان في سنة ست وعشرين كثر الوباء بمصر ، ومات الظاهر للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة عن اثنتين وثلاثين سنة إلّا أياما ، فكانت مدّة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما ، وكان مشغوفا باللهو محبا للغناء ، فتأنق الناس في أيامه بمصر ، واتخذوا المغنيات والرقاصات ، وبلغوا من ذلك مبلغا عظيما ، واتخذ حجرا لمماليكه وعلمهم أنواع العلوم ، وسائر فنون الحرب ، واتخذ خزانة البنود ، وأقام فيها ثلاثة آلاف صانع ، وراسل الملوك واستكثر من شراء الجواهر ، وكانت مملكته بإفريقية ومصر والشام والحجاز ، وغلب صالح « 1 » بن مرداس على حلب في أيامه ، واستولى على ما يليها ، وتغلّب حسان بن جرّاح على أكثر بلاد الشام ، فتضعضعت الدولة .
وقام من بعده ابنه وليّ العهد ، وبويع له وهو : المستنصر بالله أبو تميم معدّ ، ومولده في السادس عشر من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة ، وبويع بالخلافة للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين ، وعمره يومئذ سبع سنين ، فأقام ستين سنة وأشهرا في الخلافة كانت فيها أنباء ، وقصص شنيعة بديار مصر منها : أنّ أمّه كانت أمة سوداء لتاجر يهوديّ يقال له :
أبو سعد سهل بن هارون التستريّ ، فابتاعها منه الظاهر ، واستولدها المستنصر ، فلما أفضت الخلافة إليه استدنت أمّه أبا سعد ، ورقته درجة عليّة ، وكان الوزير يومئذ أبا القاسم
هامش
( 1 ) صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي أبو علي أمير بادية الشام وأول الأمراء المرداسيين في حلب ثم امتد ملكه إلى عانة فحاربه الظاهر الفاطمي إلى أن قتل سنة 420 ه . الأعلام ج 3 / 196 .