المحترمين في المجتمع المتنامي شأنهم شأن التجار الذين كانوا يملكون في تدمر نفسها مخيمات كبيرة للترانزيت ومستودعات لتخزين جميع البضائع المطلوبة في الغرب والشرق . وبينما كانت شعوب الشرق الأدنى الأخرى تخوض حروبا متواصلة ضد بعضها البعض كانت تدمر تتطور بالعمل السلمي وقام مواطنوها بالتعبير عن الشكر للصنائع السلمية ، التي جعلت مدينتهم تنمو وتزدهر ، بنصب التماثيل وبناء النصب التذكارية وسمح للأفراد بوضعها في الأماكن العامة . هناك العديد من الكتابات والتماثيل في تدمر التي تمجد قادة القوافل والتجار الكبار وفي الكتابات وعلى الألواح الفخارية رسمت الإبل كتعبير عن أصل الثروة ومنشئها .
ومع الثروة والرخاء ازدهر في تدمر الفن أيضا . فقد التقت هنا الحضارة الإغريقية مع حضارة الشرق . لكن الاتجاه الفني الإغريقي الروماني كان الطاغي .
إذ وصل في تدمر وخاصة في فن العمارة إلى درجة من الفخامة والرقي لم يكن لها مثيل في العصر القديم في أي مكان آخر من العالم . كان التدمريون الأغنياء السعداء بما لديهم من ثروة يطلبون من المهندسين والمعماريين بناء صروح تفوق في عظمتها وجمالها كل ما كانت سورية قد عرفته حتى ذلك الحين ، وهكذا نشأت تلك الصروح المعمارية التي تبدو وكأنها قفزت قرونا إلى الأمام ووضعتنا في وسط عصر النهضة الحديث .
كما أن الكمية الضخمة من الآثار المتبقية حتى اليوم والتي لا مثيل لها في أي مدينة قديمة أخرى تقدم دليلا على حب التدمريين للفخامة والأبهة . وتم استخدام فن النحت إلى أبعد الحدود ، فصنعت للأموات والأحياء تماثيل كاملة ونصفية ، ولإشباع هذا الميل بشكل أفضل اخترعوا قواعد حجرية يبلغ ارتفاعها ثلث ارتفاع الأعمدة التي تشكل الأروقة وزينوا بها الشوارع والساحات العامة واستخدموها لوضع صورا لمواطنين عليها . وكانت الصناعات اليدوية الفنية الدقيقة مزدهرة في تدمر ولها نقاباتها ومنظماتها الحرفية ، كما يتبين من الكتابات المنقوشة على الصخور ، وكانت صياغة الذهب والفضة وغيرها من فنون الديكور والزينة في غاية التطور .
من البحر المتوسط إلى الخليج — صفحة 299
مساهمون: ماكس فرايهر فون اوپنهايم
ص٢٩٩