قرب حدوث الكارثة دفعت عائلات كثيرة إلى ترك مواطنها . ويرى غلازر « 1 » في الكتابة الموشورية اللوحة 554 « البرهان التاريخي على صحة التقليد العربي القائل بأن هجرة القبائل اليمنية كانت نتيجة لانهيار سد مأرب ( في عام 450 م ) » . ويرى أنه من المحتمل أن تكون بعض أجزاء القبائل قد هاجرت قبل ذلك « 2 » بسبب الحالة السيئة للسد وبسبب هجمات الأحباش على المملكة السبئية الحميرية .
حسب الروايات المتناقلة توجهت الهجرة الأولى في بادئ الأمر من اليمن نحو الشمال الشرقي إلى داخل شبه الجزيرة العربية . حصلت القبائل السبئية المهاجرة ، التي عقدت فيما بينها حلفا للحماية والدفاع ، على اسم « التنوخيين » ( أي المتحالفين ) « 3 » .
بعد ذلك انقسمت الهجرة إلى مجموعتين : تابع رهط من التنوخيين بقيادة أسرة أزدية ، الأسرة اللخمية ، مسيره نحو الشمال الشرقي وأسس الحيرة على الفرات . أما الرهط الآخر فقد توجه نحو الشمال الغربي إلى حوران .
كان القادمون السبئيون ، وإن كانوا قد عاشوا خلال الهجرة في الخيام حياة البداوة ، معتادين في وطنهم في جنوب الجزيرة العربية على أسلوب الحياة المستقرة وجلبوا معهم حضارة عمرها ربما آلاف السنين . ولذلك لم يتصرفوا ، كما يفعل البدو ، كشعوب تمارس سياسة الغزو ، ونتيجة لذلك استقبلهم أهالي حوران وسادتهم استقبالا وديا . وكانت المملكة السبئية ، التي تأسست في حوران الخاضعة للسلطة الرومانية ، بقيادة السلحيين . وبعد انهيار سد مأرب فعلا جاءت موجة ثانية من المهاجرين ، الجفنيين والغساسنة « 4 » ، من اليمن إلى حوران حيث استقبلوا في البداية استقبالا وديا ولكنهم ما لبثوا أن اصطدموا بعد وقت قصير مع آخر الحكام السلحيين . أسفرت المعارك عن هزيمة السلحيين ومنذئذ أصبح
هامش
( 1 ) نفس المرجع السابق ، ص 28 وما بعدها .
( 2 ) حسب الروايات العربية التقليدية دامت الهجرة بضع مئات السنين ؛ ويبدو أن التزايد السكاني كان أحد أسباب هذه الهجرة الأولى من اليمن .
( 3 ) انظر فتسشتاين ، نفس المصدر السابق ، ص 105 .
( 4 ) حول أصل كلمة الغساسنة انظر فتسشتاين ، نفس المصدر السابق ، ص 114 .