الصعوبة بمكان أن نقدر على الكلام من غير أن نضع أيدينا على أفواهنا تفاديا من أن نبتلع ذبابات عدّة منه ، فقضينا هناك عشرين يوما تامة في هذه الحال الغامة غير دارين ما الّذي نعزم عليه من الأمر . وأخيرا سمعنا ذات يوم دويّ رمي مدفع على مسافة معينة فظننا أن سفنا حربية إنكليزية كانت راسية في مدارس قد أرسلت لتتعقب السفينة الحربية الفرنسية ، وفي الحال لمحنا ثلاث سفن تجري نحونا بأشرعة « 1 » جدّ منشورة ، إن هذا الأمر أيّد ظننا ، ولكن السفن الثلاث لما قربت منا علمنا أنها كانت أربعا فلقيت السفينة الحربية الفرنسية ، فهجمت عليها ثمّ أخفقت حملتها ، فاضطرت إلى التلجيج ، والابتعاد تاركة إحداهن تحت سيطرة الفرنسيين .
وبعد ليال شبت النار في سفينة إنكليزية كانت راسية بالقرب منا فرّعبنا احتراقها وتركها ملاحوها ، وإن كانت مشحونة بكمية كبيرة من نسيج قنب البنغال ، إن رباننا « نيتلمان » وهو يعود في هذه السفرة إلى وطنه ، لم يكن يخشى في الظاهر محاسبة الإنكليز له البتة فأرسل قارب سفينة الجنيب إلى نحو السفينة المحترقة ، عدّة أيّام متوالية وأمر ملاحيه الّذين في القارب المذكور أن يحملوا إليه كثيرا من صناديق الشراشف « 2 » الّتي لم تأت النار إلا على نصفها ، غير أنه كانت عاقبته الندم على هذا الاختلاس الشنيع .
وباليوم الثامن والعشرين من شباط بلغنا الخبر الصحيح الّذي مفاده أن سفينة إنكليزية اسمها « سيبيت » في مجيئها من مدارس هجمت بشدّة وعنف على السفينة الحربية الفرنسية المقدّم ذكرها واستولت عليها .
وباليوم الثالث من شوال الموافق لليوم الرابع من مارس ( آذار ) ألقت السفينتان المذكورتان آنفا مراسيهما على مقربة من سفينتنا . إن السفينة « سيبيت » قد لحقها ضرر كبير ، وفي الوقت نفسه فقدت « لافورت » السفينة الفرنسية المأسورة جميع سواريها فسحبتها قاهرتها السفينة الإنكليزية .
هامش
( 1 ) لم تكن السفن البخارية مخترعة في أيّام رحلته وإن استعمل البخار لشؤون أخرى ، فكل السفن المذكورة في الرحلة شراعية أو مردية . ( م ) .
( 2 ) تحتمل الكلمة الفرنسية معنى « الجوخ » أيضا ، ولما كان ذكر نسيج قنب البنغال قد تقدّم رجحنا الشراشف . ( م ) .