تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
بحلمه ، وتعهده بالعفو على علمه ، وعمل في هذا ما لم يسمع مثله قبله ولا بعده ، وخلد له ذكرا لا يبلى لديباجة جده ، وكذلك عامل أم جعفر بإكرام برّد حرارة حزنها ، وخفف حزازة شجنها ، حتى سلّ سخيمة صدرها ، وحل عقدة الحزن عن فكرها ، وألهاها ببره لها عن ابنها ، ونهاها نهى حلمه عن تشويش الدموع في جفنها ، فأسلاها مصاب ولدها ، وأنساها ذهاب قطعة من كبدها ، فأخذها في أمره بالمغالطة ، واستدرك لها بالمجالسة مهجته الفارطة ، فتسلت به سلوة الحزين ، وتعوضت ببقاء المأمون عن الأمين ، فعاودت مقلتها هجوع الكرى ، وقالت : وفي الحي بالميت الذي غيّب في الثرى ، وسارت سيره وصارت لا يمل منها مطالعها ، ولا يحل بأنه كلما فارقها نظره يراجعها ، يصبح حيث أمسى في سطورها المحبرة ، وصدورها المجوهرة ، ويرود منها روضة أدبية تتحير فيها من مشارق التصنيف حتى الأنوار ، ويتحير بها لؤلؤ الطل في حدق النوار ، وعهد إلى علي الرضا ، وأصارها علوية ، ثم عاجله الموت ، وما كان في سعادة الناس تمام تلك القضية ، إلا أنه أبلى الناس بالمحنة [ ص 136 ] في القول بخلق القرآن ، ولم تطهر منها أيامه ، ولها قرؤ ولا قرآن ، وذلك عن نظر نظره ، ورأي نبه على نفسه خطره ، ومن أخباره أنه لما خرج من خراسان شيعه حميد الطوسي « 1 » ، فسار معه فراسخ ، فالتفت إليه المأمون وقال : ارجع أنا غانم :
هامش
- فصيح اللسان شاعرا سخي الكف ، حاذقا بصنعة الغناء ، توفي في سر من رأى سنة 224 ه . ( الأغاني 10 / 69 ، 94 ، تاريخ بغداد 6 / 142 . ابن خلكان 1 / 8 ، أشعار أولاد الخلفاء ص 17 - 49 لسان الميزان 1 / 98 ) ( 1 ) حميد الطوسي : من كبار قادة المأمون ، كان جبارا فيه قوة وبطش ، وكان المأمون يندبه للمهمات ، توفي سنة 210 ه . ( النجوم الزاهرة 2 / 190 )