تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وقد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر ، ثم وجّه من غد بخدم فردهن إلى قصره ، ووهب لي مئة ألف درهم ، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن . قال مخارق : كنا عند الرشيد في بعض أيامنا ، فغناه ابن جامع ، ونحن يومئذ بالرقة : « 1 » [ الخفيف ]
هاج شوقا فراقك الأحبابا * فتناسيت أو نسيت الربابا
حين صاح الغراب بالبين منهم * فتصاممت أن سمعت الغرابا
لو علمنا أن الفراق وشيك * ما انتهينا حتى نزور القبابا
أو علمنا حين استقلت نواهم * ما أقمنا حتى نزم الركابا
قال : فاستحسنه الرشيد وطرب عليه وأعجبه واستعاده مرارا ، وشرب عليه أرطالا حتى سكر ، وما سمع شيئا غيره ولا أعجبه ، ولا أقبل على أحد ، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار ، فلما انصرفنا قال لي إبراهيم : لا ترم منزلك حتى أصير إليك ، فصرت إلى منزلي ، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته ، فلقيته في دهليزي « 2 » ، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه ، ثم قال لي : يا مخارق ، أنت نسيلة « 3 » مني إحساني إليك ، وقبحي عليك ، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد ، وقد صنعت صوتا في طريقة صوته الذي غنّاه ، أحسن صنعة منه وأشجى ، وإنما يغلبني « 4 » عند هذا الرجل بصوته ، ولا مطعن على صوتك ،
هامش
( 1 ) الشعر في الأغاني 5 / 277 ، ( 2 ) الدهليز : الممر الذي بين الباب ووسط الدار ( فارسي معرب ) . ( 3 ) النسيلة : واحدة النسيل والنسال : وهو ما سقط من الصوف أو الشعر عند نسله ، يريد : ( قطعة مني ) وفي الأغاني : ( فسيلة ) وهي صغار النخل يقطع عن أمه فيغرس . ( 4 ) في الأصل : ( نغلبه ) وهو خلاف المقصود .