كان للمتقدم إليه حرسا ، وللمتكلم لديه خرسا ، فكانت عنده لا تنطق الألسنة ، ولا تطلق بسيئة ولا حسنة ، لمهابة ألقيت عليه ، وإنابة ألقيت إليه ، على بسطة للجليس ، وغبطة للأنيس ، وقرى ، وبشاشة ، وقرب كان حشو الحشاشة ، وإطلاق يد في جود ، وندى كرامة بأيسر موجود ، إلا أنه كان يرجح الطود وقورا ، وترى السحاب الجود محقورا . فكان كأن ضيغما « 1 » في أمانيه ، أو أرقما « 2 » يساور بين نائيه .
وكان من القيروان « 3 » ، من قرية يقال لها : " كركنت " « 4 » أقام بالحرم مدة ، وصحب أبا علي ابن الكاتب « 5 » ، وحبيبا المغربي « 6 » ، وأبا عمرو الزجاجي .
ولقي : النهرجوري ، وأبا الحسن بن الصائغ الدينوري .
وكان أوحد المشايخ في طريقته ، وزهده ، وتقدّمه . وهو بقية المشايخ وتاريخهم ، ولم ير مثله على علو الحال ، وصون الوقت ، وصحة الحكم بالفراسة ، وقوة الهيبة . « 7 »
ورد " نيسابور " ، ومات بها سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة . « 8 »
وأوصى أن يصلي عليه الإمام أبو بكر بن فورك . « 9 »
هامش
( 1 ) الضيغم : الأسد . القاموس مادة " ضغم " .
( 2 ) الأرقم : هو أخبث الحيّات وأطلبها للناس . القاموس مادة " رقم " .
( 3 ) القيروان : مدينة عظيمة بأفريقية ، غبرت دهرا ، وليس بالمغرب مدينة أجلّ منها ، مصّرت في الإسلام ، أيام معاوية بن أبي سفيان ، مصّرها عقبة بن نافع ، بعد أن أتم فتح أفريقية ، وقد عمّرت سنة خمس وخمسين من الهجرة . انظر : معجم البلدان 4 / 212 - 214 .
( 4 ) كركنت ، بفتح أوله ، وسكون ثانيه ، وكسر الكاف الثانية ، ثم نون ساكنة ، وتاء مثناة ، وابن الأثير يضبطها بكسر الكافين : قرية من قرى القيروان ، وبلد على ساحل البحر في جزيرة صقلية . انظر : معجم البلدان 4 / 262 ، واللباب 3 / 36 .
( 5 ) هو أبو علي بن أحمد الصوفي المعروف بابن الكاتب ، توفي سنة نيف وأربعين وثلاثمائة . طبقات الصوفية 386 - 388 .
( 6 ) سبقت ترجمته أول الكتاب .
( 7 ) طبقات الصوفية للسلمي 479 ، وطبقات ابن الملقن 237 ، وتاريخ الإسلام 26 / 540 .
( 8 ) الرسالة القشيرية 1 / 191 ، وطبقات الأولياء لابن الملقن 237 .
( 9 ) هو أبو بكر محمد بن فورك - بضم الفاء ، بعدها واو ساكنة ، وراء مفتوحة : الحافظ المعروف .