وحدّثني الزواويّ أن لهؤلاء البربر جبالا عامرة كثيرة الفواكه ، وقال : إن [ كلّ ما ] « 1 » بأيدي هؤلاء الثلاثة يجيء قدر نصف ما [ لملك ] « 2 » مالّي أو أرجح بقليل ، وإنما ذلك أكثر دخلا لقربه من بلاد الكفار ، وبها منابت الذّهب ، وهو قاهر عليهم ، ودخله كثير بهذا السبب وبكثرة ما يباع بمملكته من السلع وما يكتسبه في الغزوات من بلاد الكفار بخلاف هؤلاء فإنّ بلادهم جدبة ولا يد تمتد لهم إلى كسب ، وغالب أرزاقهم من دوابّهم ، ودون هؤلاء مما بينهم وبين مرّاكش جبال المصامدة « 3 » ، وهم خلق لا يعدّ وأمم لا تحصى ، وهم يفخرون بالشجاعة والكرم ، فيهم أعيان الكرماء وبهم تظلّ [ سواكب ] « 4 » الدماء ، وقد كانوا لا يدينون لسلطان من سلاطين برّ العدوة ، ولا يقدر أحد من ملوكها يفتل لهم في غارب ولا ذروة ، وقد وصلت الآن إلينا الأخبار بأنهم قد دانوا للسلطان أبي الحسن صاحب برّ العدوة الآن ، وقد دخلوا تحت ذيل طاعته ، وتقرب كلّ منهم إليه بما فيه وبما في قدر استطاعته ، على أنهم لا يملّكون لأحد قيادهم ، ولا يسلمون إليه بلادهم ، وهم معه على كلّ حال ، بين صحة واعتلال ، وهذا ما انتهى إلينا من أخبارهم .
هامش
( 1 ) في الأصل : كلما .
( 2 ) في الأصل : للملك .
( 3 ) جبال المصامدة : هو الاسم القديم لجبال الأطلس الكبير ، كما كانت تعرف بجبال درن ، وكانت موطنا لقبائل كثيرة من المصامدة ، وهم مجموعة قبائل من البربر البرانس ، وقد لعب المصامدة أدوارا حاسمة في تاريخ المغرب القديم والحديث على السواء ، انظر : الجميري : ص 234 - 235 ، ابن خلدون : 6 / 224 ، القلقشندي : صبح 5 / 168 ، ابن العربي : ص 113 - 114 ، 118 ، 187 .
( 4 ) الراجح عندي أن السياق التالي يختص بالمصامدة لا بالبربر سكان المملكة - موضوع الباب - وذلك لما فيه من المغايرة لما تقدم في الصفحة السابقة عن عدم خضوع هؤلاء البربر للسلطان أبي الحسن أو دخولهم تحت طاعته .