في تلك القرون في التطوّر والتوسّع ، حتّى بلغ إلى حدّ يقصر دونه كثير من العلوم والفنون الاجتماعيّة .
وقد يكسب الشعر بناحيته هذه أهميّة كبرى عند حماة الدين - أهل بيت الوحي - حتّى يعدّ الاحتفال به ، والاصغاء إليه ، وصرف الوقت النفيس دون سماعه ، واستماعه ، من أعظم القربات وأولى الطاعات ، وقد يقدّم على العبادة والدعاء في أشرف الأوقات وأعظم المواقف ؛ كما يستفاد من قول الإمام الصادق عليه السّلام وفعله بهاشميّات الكميت لمّا دخل عليه في أيّام التشريق بمنى ، فقال له : جعلت فداك ألا أنشدك ؟ قال : « إنّها أيّام عظام » .
قال : إنّها فيكم . فلمّا سمع الإمام عليه السّلام مقاله ، بعث إلى ذويه فقرّبهم إليه وقال :
« هات » . فأنشده لاميّته من الهاشميّات ، فحظي بدعائه عليه السّلام له ، وألف دينار وكسوة .
ونظرا إلى الغايات الاجتماعيّة ، كان أئمّة الدين يغضّون البصر عن شخصيّات « 1 » الشاعر المذهبيّ وأفعاله ، ويضربون عنها صفحا إن كان هناك عمل غير صالح يسوؤهم ، مهما وجدوه وراء صالح الامّة ، وفي الخير له قدم ، وصرّح به الحقّ عن محضه ، وصرّح المحض عن الزبد ، وصار الأمر عليه لزام « 2 » ، وكانوا يستغفرون له ربّه في سوء صنعه ، ويجلبون له عواطف الملأ الدينيّ ، بمثل قولهم : « لا يكبر على اللّه أن يغفر الذنوب لمحبّنا ومادحنا » « 3 » ،
هامش
( 1 ) - [ أي : الشؤون الشخصيّة للشاعر ] .
( 2 ) - كلّ من هذه الجمل مثل يضرب . « لزام » - بكسر الميم - مثل « حذام » ، أي : صار هذا الامر لازما له .
( 3 ) - راجع أخبار السيّد الحميري للحافظ المرزباني [ ص 159 ] ؛ ورواه الكشّي في رجاله :
184 [ 2 / 570 ، رقم 505 ] بتغيير يسير في بعض ألفاظه .