محمد كامل حسين
313
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب
فان زال عنها ولم يؤثر فيها فهو خالص ، وإن أثر فيها كان مغشوشا ، وأيضا فان الخالص منه إذا قطر في الماء ينحل ويصير في قوام اللبن والمغشوش يطفو مثل الزيت ويبقى كواكبا فوق الماء . ويضيف المؤلف وقد أعرضت عن أشياء كثيرة في هذا الباب لم أذكرها لخفى غشها ولامتزاجها بالعقاقير مخافة أن يتعلمها من لا دين له فيدلس بها على المسلمين . وإنما ذكرت في هذا الباب وفي غيره ما قد اشتهر غشه بين الناس ويتعاطاه كثير منهم . وأمسكت عن أشياء غير مشهورة قد ذكر أكثرها صاحب كتاب كيمياء العطر فرحم اللّه من وقع في يده ذلك الكتاب ، فمزقه وحرقه تقربا إلى اللّه عز وجل . ولم يكتف البعض بالتدليس والغش ، بل كانت تذهب بهم الجرأة والاستهتار إلى أبعد من ذلك ، فيدعون أن لديهم جميع أصناف الأدوية ويدفعون لمن طلب منهم دواء أي دواء آخر معتمدين على أن الطالب عادة غير ملم بمعرفة الأدوية . وقد ورد في عيون الأنباء « 1 » خبر في غاية الطرافة يزيح الستار عن تصرف مشين لأناس جهلة تطفلوا على مهنة الصيدلة وجعلوها شبكة لاصطياد السذج من الناس . وختاما لبحثنا ننقل هذا الخبر حرفيا لطرافته : قال يوسف بن إبراهيم : حدثني زكريا بن الطيفورى قال : « كنت مع الأفشين « 2 » في معسكره . . وهو في محاربة بابك « 3 » . فأمر باحصاء جميع من في عسكره من التجار وحوانيتهم وصناعة رجل رجل منهم . فرفع ذلك إليه فلما بلغت القراءة بالقارىء إلى موضع الصيادلة قال لي : « يا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى ما نقدم فيه . فامتحنهم حتى تعرف منهم الناصح من غيره ومن له دين ومن لا دين له .
--> ( 1 ) عيون الأنباء ج 1 ص 157 . ( 2 ) الأفشين : قائد جيوش المعتصم في غزوات بلاد ازوم في آسيا الصغرى والظافر في وقعة عمورية سنة 838 م . ( 3 ) بابك : زعيم فرقة إسماعيلية متطرفة من الإسماعيلية تدعى الخرمية ، حاربه المعتصم وقهره فقطع وصلب سنة 828 م .