أحمد ابراهيم الهواري

73

من تاريخ الطب الإسلامي

بعض مشاهير الأطباء ويقوم باختبارات شخصية وتجارب عملية كافية ويجد في نفسه القدرة على مزاولة الطب يباشرها بعد أن يجيزه بعض الأطباء النابهين في زمانه أو رئيس أطباء البيمارستان الذي كان يشتغل فيه . ولم تكن هناك في أول الأمر قيود خاصة أو امتحانات منظمة لإعطاء إجازة التطبب ، وإن أول من نظم هذه الصناعة وأخضعها لنظام خاص في تأدية امتحان للحصول على إجازة التطبب هو المقتدر الخليفة العباسي ، وكان ذلك في سنة 219 ه . والسبب الذي دعا الخليفة إلى هذا العمل حسب رواية ابن أبي أصيبعة هو أنه اتصل به أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل ، فأمر الخليفة المحتسب بمنع سائر المتطببين من التصرف إلا من امتحنه سنان بن ثابت بن قرة رئيس الأطباء وطبيب الخليفة الخاص ، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة . وبلغ عدد من ترددوا إلى سنان وامتحهم وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح له التصرف فيه من الصناعة ثمانمائة رجل ونيفا وستين رجلا في جانبي بغداد سوي من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته وسوى من كان في خدمة السلطان « 1 » . وكان سنان بن ثابت يمتحنهم فيسأل كلا منهم بعض الأسئلة الطبية ويعرف معارفه ودرجة تمكنه في الصناعة ، فيحدد له حدودا يجيزه أن يتصرف ضمنه لا يتجاوزها . وكانت الامتحانات الطبية في ذلك العهد بسيطة جدا فيها كثير من التسامح والتساهل . يروى أنه دخل يوما في مجلس سنان بن قرة كهل موقر ، مهيب الطلعة عليه سيماء أهل العلم ولباسهم فأخذ مكانه في جانب من المجلس ، وكان مظهره يدل على أنه من أجلة العلماء . وبعد أن انتهى سنان من درسه ومعالجة المرضى خاطب تلاميذه قائلا : « علينا الآن بالاستفادة من فضائل مولانا الشيخ ، ولنستمع لجوامع كلمه لتبقى لدينا تذكارا لتشريفه هذا المجلس » . ثم سأل الشيخ عن اسم أستاذه فأخرج الشيخ من جيبه بدرة من المال وضعها أمام سنان وقال لست يا سيدي من العلماء ؛ لكني رب أسرة أريد أن أعيلها عن طريق التطبب . فاشترط عليه سنان أن يكون محتاطا في عمله فلا يفصد أحدا ولا يعطى من المسهلات إلا الأنواع الساذجة البسيطة منها . فقال الشيخ كانت هذه ولا تزال طريقتى في التطبب فإني لم أعط أحدا غير السكنجبين والجلاب ، فأعطاه سنان إجازة التطبب في هذه الدائرة المحدودة التي ذكرناها .

--> ( 1 ) - طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة الجزء الأول صفحة 222 .