أحمد ابراهيم الهواري
72
من تاريخ الطب الإسلامي
وكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ثم يجرى مباحث طبية ويقرئ التلاميذ ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مدة ثم يركب إلى داره « 1 » . وكانت هذه الطريقة في التدريس هي للمبتدئين من التلاميذ ؛ أما المشتغلون بالطب والمطلعون على كتبه ومن لهم بعض الاختبارات في البيمارستانات فكانوا يحضرون مجلس درس الأستاذ ساعات كل يوم فيجرى البحث عن المواضيع الطبية المشكلة أو النادرة ويتداولون فيها علميا وفنيا بكل حرية . وقد كان النظر في بول المريض ، وكانوا يسمونه ( القارورة ) والاستنتاج من نظره ويسمونه ( التفسرة ) ، من الأمور الشائعة ولم يكن الأطباء يغفلون عنه . وكانت للأطباء العرب في هذا الباب مهارة كبيرة تدل على قوة استدلالهم وحسن استنتاجهم . يقول ابن أبي أصيبعة : ( أراد الرشيد أن يمتحن بختيشوع الطبيب أمام جماعة من الأطباء فقال الرشيد لبعض الخدم : « أحضره ماء دابة حتى تجربه » فمضى الخادم وأحضر قارورة الماء ، فلما رآه قال « يا أمير المؤمنين ليس هذا بول إنسان » قال له أبو قريش وقد كان حاضرا : « كذبت هذا ماء حظية الخليفة » فقال له يختيشوع ( لك أقول أيها الشيخ الكريم ، لم يبل هذا إنسان البتة ، وإن كان الأمر على ما قلت فلعلها صارت بهيمة ) فقال له الخليفة « من أين علمت أنه ليس ببول إنسان ؟ قال بختيشوع « لأنه ليس له قوام بول الناس ولا لونه ولا ريحه » ثم التفت الخليفة إلى بختيشوع فقال له ( ما ترى أن نطعم صاحب هذا الماء ) فقال ( شعيرا جيدا » فضحك الرشيد ضحكا شديدا وأمر فخلع عليه خلعة حسنة جليلة ، ووهب له مالا وافرا وقال « بختيشوع يكون رئيس الأطباء كلهم وله يسمعون ويطيعون » « 2 » . والخلاصة أن البيمارستانات لم تكن أعمالها قاصرة على معالجة المرضى فحسب ، بل إنها كانت أيضا تقوم مقام مدارس الطب يتخرج منها الأطباء والكحالون والجراحون والمجبرون . وكان لكل بيمارستان خزانة كتب أو مكتبة تحوى كثيرا من الكتب كانت في متناول كل طالب علم ؛ وكان طالب الطب في أول عهد الدولة الإسلامية بعد أن يتلقى أصول الطب على
--> ( 1 ) - طبقات الأطباء الجزء الثاني صفحة 155 . ( 2 ) - طبقات الأطباء الجزء الأول صفحة 126 .