أحمد ابراهيم الهواري
53
من تاريخ الطب الإسلامي
العظيم قدره ، الجليل خطره ، والعام نفعه ، الباقي في الخير ذكره ، لكن صناعة الفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم ، وترك الاستقصاء عليهم ، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه كما قد ذكر ذلك أيضا جالينوس في كتابه في منافع الأعضاء حيث وبخ الذين يكلفون أتباعهم وأشباعهم القبول منهم بلا برهان . وكان أكثر ما عزّانى وسهّل على أن هذا الرجل الجليل لو كان حيا حاضرا لم يلمنى على تأليف هذا الكتاب ، ولم يثقل ذلك عليه إيثارا منه للحق وحبا لتقصى المباحث ) . إلى أن يقول : « وأما من لا منى وجهلنى في استخراج هذه الشكوك والكلام فيها فإني لا أرتفع به ولا أعده فيلسوفا إذ كان قد نبذ سنة الفلاسفة وراء ظهره ، وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم ) . هذا أرسطاطاليس يقول : - اختلف الحق وفلاطن وكلاهما صديقان لنا ، إلا أن الحق أصدق لنا من فلاطن . وهو يقاومه ويناقضه من أجل آرائه ، فقد ناقض أرسطاطاليس في أوضح أجزاء الفلسفة بعد الهندسة الذي هو المنطق يبين غلطه في كثير من المواضع ، حتى أنه يتعجب ويقول : لست أدرى كيف ذهب على الحكيم هذا المعنى وهو في غاية الوضوح ! وتذكرنا هذه المقدمة بمقدمة أخرى للشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه حكمة المشرقيين وفيها ينتقد فلسفة المشائين . والذي يتبين من مطالعة هذه المقدمة أن تحولا فكريا عظيما كان قد طرأ على ابن سينا في أخريات أيام حياته نتيجة المطالعة والدرس ، إذ نراه يبدي آراءه دون أن يتقيد بفلسفة المشائين ، ويبينها حسب فلسفة اليونان ولو خالفت فلسفة المشائين ، أو باينت آراءه التي كان قد أبداها الشيخ نفسه حتى ذلك التاريخ . وبما أن النمو العقلي والفكري عند الحكماء والفلاسفة وتقدمهم في هذا الباب يشبهان إلى حد كبير تقدم الأطباء المسلمين في العلوم الطبية ، أعنى أن النسبية بين أطباء عصور النهضة وعهد ظهور التأليف المستقلة ، وبين مترجمى الكتب الطبية في العصور الأولى من الإسلام هي نفس النسبة بين مترجمى المؤلفات الفلسفية في العصور الأولى ومترجمى كتب الفلسفة في العصور المتأخرة ، أرى أن أذكر لحضراتكم هنا هذه المقدمة القيمة .