أحمد ابراهيم الهواري
54
من تاريخ الطب الإسلامي
( 5 ) [ عصر كمال الرقى العلمي لدى المسلمين ] يقول ابن سينا في المقدمة المذكورة : « وبعد » فقد نزعت الهمة بنا إلى أن تجمع كلاما فيما اختلف أهل البحث فيه لا نلتفت فيه لف عصبية أو هوى أو عادة أو ألف ، ولا نبالى من مفارقة تظهر منا لما ألفه متعلمو كتب اليونانيين إلفا عن غفلة وقلة منهم ولما سمع منا في كتب ألفناها للعاملين من المتفلسفة المشغوفين بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم ، ولم ينل رحمته سواهم ، مع اعتراف منا بفضل أفضل سلفهم ( يعنى أرسطو ) في تنبيهه لما نام عنه ذووه واستاذوه ، وفي تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض ، وفي ترتيبه العلوم خيرا مما رتبوه ، وفي إدراكه الحق في كثير من الأشياء ، وفي تفطنه لأصول صحيحة سرية في أكثر العلوم وفي اطلاعه الناس على ما بينها فيه السلف وأهل بلاده ، وذلك أقصى ما يقدر عليه إنسان يكون أول من مدّ يديه إلى تمييز مخلوط وتهذيب مفسد ، ويحق على من بعده أن يلموا شعثه ويرموا ثلما يجدونه فيما بناه ويفرعوا أصولا أعطاها فما قدر من بعده على أن يفرغ نفسه عن عهدة ما ورثه منه وذهب عمره في تفهم ما أحصن فيه والتعصب لبعض ما فرط من تقصيره ، فهو مشغول عمره ، بما سلف ، ليس له مهلة يراجع فيها عقله ، ولو وجدها ما استحل أن يضع ما قاله الأولون موضع المفتقر إلى ما زيد عليه أو إصلاح له أو تنقيح إياه . وأما نحن فسهل علينا التفهم لما قالوه أول ما اشتغلنا به ولا يبعد أن يكون قد وقع إلينا من غير جهة اليونانيين علوم وكان الزمان الذي اشتغلنا فيه بذلك ريعان الحداثة ، ووجدنا من توفيق الله ما قصر علينا بسببه مدة التفطن لما أورثوه . ثم ( المنطق ) - ولا يبعد أن يكون له عند المشرقين اسم غيره - حرفا حرفا فوقفنا على ما تقابل وعلى ما عصى ، وطلبنا لكل شئ وجهة فحق ما حق وزاف ما زاف . ولما كان المشتغلون بالعلم شديدي الاعتزاء إلى ( المشائين ) من اليونانيين كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور فانحزنا إليهم وتعصبنا للمشائين إذ كانوا أولى فرقهم بالتعصب لهم - وأكملنا ما أرادوه وقصروا فيه ولم يبلغوا أربهم منه وأغضينا عما تخبطوا فيه ، وجعلنا له وجها ومخرجا ونحن بدخلته شاعرون وعلى ظله واقفون . فإن جاهرنا بمخالفتهم ففي الشئ الذي لم يكن الصبر عليه ، وأما الكثير فقد غطيناه بأغطية التغافل . فمن جملة ذلك ما كرهنا أن يقف الجهال على مخالفة ما هو عندهم من الشهرة بحيث لا يشكون فيه ويشكون في النهار الواضح