أحمد ابراهيم الهواري
52
من تاريخ الطب الإسلامي
وبئة والأمراض فاشية وأنت عالم ولك جد وخدمة ، ولك بيان ومعرفة ، فمن أين تأتى هذا الكساد ؟ قال أما واحدة فإني عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب ، بل قبل أن أخلق ، أن المسلمين لا يفلحون في الطب . وأسمى أسد ، وكان ينبغي أن يكون اسمى صليبيا ومرايل ويوحنا وبيرا ( ويقصد الأسماء اليونانية أو السريانية أو الآرامية ) وكنيتي أبو الحارث وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى وأبو زكريا وأبو إبراهيم ( أي كنى اليهود أو النصارى ) وعلىّ رداء قطن أبيض ، وكان ينبغي أن يكون رداء حرير أسود ؛ ولفظي لفظ عربى ، وكان ينبغي أن تكون لغتى لغة أهل جنديسابور ( يقصد لسان أهل إيران ) . والخلاصة أن معظم الأطباء الكبار من المسلمين في عصر النهضة العلمية والاستقلال الفكري في الإسلام ، كانوا من الإيرانيين ، وكان أطباء هذه الحقبة من أصحاب الرأي والنظر ممن جازوا مرحلة التقليد والتسليم لآراء أسلافهم ؛ فإنهم كانوا يبذلون غاية الجهد ويعملون رأيهم ، فيميزون بين الصحيح والسقيم من الآراء ، ويضيفون إليها من عندهم الشئ الكثير ؛ وخير مثال لهؤلاء محمد بن زكريا الرازي الذي جمع في مؤلفيه كتاب المنصوري وكتاب الحاوي كل المعارف الطبية التي كانت موجودة في زمنه من مؤلفات من سبقه من الأطباء من يونانية وغير يونانية ، ونقدها نقدا علميا ، يدل على علو كعبه وطول باعه وإحاطته التامة ، وزاد عليها مشاهداته وتجاربه الشخصية ، كما أنه ألف كتابا في الحصبة والجدري ، ولم يكن أحد من الأطباء الذين سبقوه ، قد عرف أن هذين المرضين مستقلان . وله غير هذه الكتب رسائل خاصة عن تجاربه الشخصية ومطالعاته في البيمارستانات ، وبجانب فراش المرضى ، ورسائل أخرى في المبادئ الخلقية التي يجب علي الطبيب مراعاتها والسير بموجبها بحكم الواجب ، وفي هذه الرسائل أيضا تتجلى اختباراته الشخصية بوضوح تام . ومن مؤلفات الرازي كتاب باسم شكوك الرازي على كلام جالينوس فاضل الأطباء في الكتب التي نسبت إليه ؛ ولدى نسخة خطية منه يقول في مقدمتها : ( إني لأعلم أن كثيرا من الناس يستجهلونى في تأليف هذا الكتاب ، وكثيرا منهم يلومونى ويعنفونى على مناقضة رجل مثل جالينوس في جلاله ومعرفته ، وتقدمه في جميع أجزاء الفلسفة ومكانه منها ، وأجد أنا لذلك مضضا في نفسي ، إذ كنت قد بليت بمقابلة من هو أعظم الخلق على منة ، وأكثرهم لي منفعة ؛ به أهتديت ، وإثره اقتفيت ، ومن بحره استقيت ، مما لا ينبغي أن يقابل به العبد سيده ، والتلميذ أستاذه ، والمنعم عليه ولى نعمته ، وبودى يشهد الله أن هذه الشكوك التي أنا ذاكرها في هذا الكتاب ، لم تكن في كتب هذا الرجل الخيّر الفاضل