أحمد ابراهيم الهواري

104

من تاريخ الطب الإسلامي

إجازة الطب كان الأطباء في أول عهد الدول الإسلامية تكتفى لمعاناة التطبيب بقراءة الطب على أي طبيب من النابهين في عصره ، حتى إذا آنس من نفسه القدرة على مزاولة الصنعة ، باشرها بدون قيد أو شرط . وإن أول من نظم صناعة التطبيب وقيدها بنظام خاص حرصا على مصلحة الجمهور ، هو الخليفة العباسي المقتدر بالله جعفر بن المعتضد الذي تولى الخلافة سنة 295 ه ، ففرض على من يريد معاناة التطبيب تأدية امتحان للحصول على إجازة تخوله هذا الحق بين الناس . والسبب الذي دعا الخليفة المقتدر إلى هذا التقييد ، هو ما نرويه عن لسان سنان بن ثابت رئيس الأطباء في عصره وطبيب الخليفة ومن النابهين بين الأطباء : قال سنان بن ثابت « 1 » : لما كان في عام 319 ه ( 931 م ) ، اتصل بالمقتدر أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل ، فأمر الخليفة أبا إبراهيم بن محمد بن أبي بطيحة المحتسب بمنع سائر المتطببين من التصرف ، إلا من امتحنه سنان بن ثابت بن قرة ، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة . فصاروا إلى سنان وامتحنهم وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه . وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ونيف وستين رجلا ، سوي من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته وسوي من كان في خدمة السلطان . وصار النظام بعد ذلك : متى أتم الطالب دروسه يتقدم إلى رئيس الأطباء في القطر المصري ، ووظيفته هي أكبر وظائف الأطباء ، ويطلب إليه إجازته لمعاناة صنعة التطبيب . وكان الطالب يتقدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناته . وهذه الرسالة أشبه بما يسمى اليوم أطروحة ( تيز These وتكون هذه الرسالة له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين يكون قد أجاد دراستها فيمتحنه فيها ، ويسأله في كل ما يتعلق بما فيها من الفن . فإذا أحسن الإجابة اجازه الممتحن بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة . ومن محاسن الصدف أنى عثرت في دشت قديم في خزانة كتب أستاذنا وصديقنا العلامة أحمد زكى باشا ، على صورتين لاجازتين في الطب من القرن السادس عشر الميلادي ، منحت إحداهما لفصاد ومنحت الأخرى لجراح ، أنقلهما هنا لكي يعلم الباحث ما كان عليه الحال في تلك العصور :

--> ( 1 ) - ابن أبي أصيبعة ج 1 ص 22 .