لبيب بيضون

260

طب المعصومين ، الرسول وأهل بيته ( ع )

ثم قال كسرى : فما الذي تحمد من أخلاقها ، ويعجبك من مذاهبها وسجاياها ؟ قال الحارث : أيها الملك ، لها أنفس سخية ، وقلوب جريّة ، ولغة فصيحة ، وألسن بليغة ، وأنساب صحيحة ، وأحساب شريفة ، يمرق [ أي يخرج ] من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة الرام [ نوع من الشجر ] ، أعذب من هواء الربيع ، وألين من سلسبيل المعين . مطعمو الطعام في الجدب ، وضاربو الهام في الحرب . لا يرام عزّهم ، ولا يضام جارهم ، ولا يستباح حريمهم ، ولا يذلّ كريمهم . ولا يقرّون بفضل الأنام ، إلا للملك الهمام ، الذي لا يقاس به أحد ، ولا يوازيه سوقة ولا ملك ! فاستوى كسرى جالسا ، وسرّ لما سمع من محكم كلامه ، وقال لجلسائه : إني وجدته راجحا ، ولقومه مادحا ، وبفضيلتهم ناطقا ، وبما يورده من لفظه صادقا ؛ وكذا العاقل من أحكمته التجارب ! ثم أمره بالجلوس فجلس . فقال له : كيف بصرك بالطب ؟ قال : ناهيك ! حديث قيّم عن الطب : قال كسرى : فما أصل الطب ؟ قال : ضبط الشفتين ، والرفق باليدين . قال : أصبت ! فما الداء الدوي [ أي المهلك ] ؟ قال : إدخال الطعام على الطعام ، هو الذي يفني البرية ، ويهلك السباع في جوف البريّة . قال : فما الجمرة التي تلهب منها الأدواء ؟ قال : التخمة ، إن بقيت في الجوف قتلت ، وإن تحللت أسقمت . قال : صدقت . . . قال : فما تقول في دخول الحمام ؟ قال : لا تدخله شبعان ، ولا تنم في الليل عريان ، ولا تقعد على الطعام غضبان ؛ وارفق بنفسك يكن أرخى لبالك ، وقلل من طعامك يكن أهنأ لنومك . قال : فما تقول في الدواء ؟ قال : ما لزمتك الصحة فاجتنبه ، فإن هاج داء فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه ، فإن البدن بمنزلة الأرض ؛ إن أصلحتها عمرت ، وإن تركتها خربت .