صالح نصر الله ابن سلوم الحلبي
172
الطب الجديد الكيميائي
بقيت هذه النظرية مسيطرة على الطب التقليدي القديم بدون أي معارض لها حتى القرن السادس عشر ، حينما ظهر براكلسوس وأنصاره يهاجمونها بلا هوادة . ولئن وجدنا قبل قليل ابن سلوم ينقل عن كتاب براغناني لبراكلسوس ، انتقاد هذا الأخير لنظرية الأخلاط هذه وإيمانه بعدم جدواها ، فقد كان ابن سلوم ملتزما الموضوعية التاريخية فيما نقل . وأما ما جاء ، حقيقة في ذلك الكتاب ، فيتضمن هجوما مقذعا ، يخلو من التهذيب ومن أبسط قواعد اللياقة ، على كل أطباء عصره المؤمنين بنظرية الأخلاط هذه ، فقد نعتهم بالجهلة ، وقال إن رباط حذائه أكثر إطلاعا وعلما بالطب من جالينوس وابن سينا ، وإن شعر لحيته أكثر علما من كل مدارسهم الطبية ، ثم توجه إليهم قائلا : « إن ما ترددونه من أن أبويكم في الطب هما جالينوس وابن سينا ، إنما هو اعتقاد تافه ، فإن صخور الحقيقة ستسحقهما وستخلق السماء في المستقبل الأطباء الحقيقيين المؤمنين بنظرية براكلسوس فينتصر الطب الصحيح على أيديهم » « 51 » . إن نظرية الأخلاط التقليدية ، التي كان قد مضى على سيطرتها في عهد براكلسوس حوالي ألفي عام ، كانت أقوى من أن يستطيع براكلسوس تحطيمها ، إلّا أنه كان أول من وقف في وجهها يسانده في ذلك عدد من المريدين والأنصار . ذلك أن نظرية الأخلاط التقليدية القديمة بقيت على نفوذها حتى أواخر القرن الثامن عشر ، وللدلالة على ذلك أورد الحادثة التالية : في السنة الأخيرة من القرن الثامن عشر ، وبالتحديد عام 1799 للميلاد ، شعر جورج واشنطن ، أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية ، بآلام شديدة في حلقه وحنجرته
--> ( 51 ) انظر كتاب « مؤلفات براكلسوس الطبية » بالفرنسية ، إعداد برنارد كورسيكي B . Gorceix طبع مطابع فرنسا الجامعية / 1968 ص / 39 .