البكري الدمياطي

165

إعانة الطالبين

رسول الله ( ص ) : من عزى مصابا فله مثل أجره . وأخرج الترمذي أيضا عن أبي برزة : من عزى ثكلى كسي بردا . وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن عمرو بن حزم : ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة . وقد أرسل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - إلى بعض أصحابه يعزيه في ابن له قد مات بقوله : إني معزيك لا إني على ثقة * من الخلود ، ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته * ولا المعزي ولو عاشا إلى حين والتعزية : هي الامر بالصبر ، والحمل عليه بوعد الاجر ، والتحذير من الوزر بالجزع ، والدعاء للميت بالمغفرة وللحي بجبر المصيبة ، فيقال فيها : أعظم الله أجرك ، وأحسن عزاءك ، وغفر لميتك ، وجبر معصيتك ، أو أخلف عليك ، أو نحو ذلك . وهذا في تعزية المسلم بالمسلم . وأما تعزية المسلم بالكافر فلا يقال فيها : وغفر لميتك ، لان الله لا يغفر الكفر . وهي مستحبة قبل مضي ثلاثة أيام من الموت ، وتكره بعد مضيها . ويسن أن يعم بها جميع أهل الميت من صغير وكبير ، ورجل وامرأة ، إلا شابة وأمرد حسنا ، فلا يعزيهما إلا محارمهما ، وزوجهما . ويكره ابتداء أجنبي لهما بالتعزية ، بل الحرمة أقرب . ويكره لأهل الميت الجلوس للتعزية ، وصنع طعام يجمعون الناس عليه ، لما روى أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي ، قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة ، ويستحب لجيران أهل الميت - ولو أجانب - ومعارفهم - وإن لم يكونوا جيرانا - وأقاربه الأباعد - وإن كانوا بغير بلد الميت - أن يصنعوا لأهله طعاما يكفيهم يوما وليلة ، وأن يلحوا عليهم في الاكل . ويحرم صنعه للنائحة ، لأنه إعانة على معصية . وقد اطلعت على سؤال رفع لمفاتي مكة المشرفة فيما يفعله أهل الميت من الطعام . وجواب منهم لذلك . ( وصورتهما ) . ما قول المفاتي الكرام بالبلد الحرام دام نفعهم للأنام مدى الأيام ، في العرف الخاص في بلدة لمن بها من الاشخاص أن الشخص إذا انتقل إلى دار الجزاء ، وحضر معارفه وجيرانه العزاء ، جرى العرف بأنهم ينتظرون الطعام ، ومن غلبة الحياء على أهل الميت يتكلفون التكلف التام ، ويهيئون لهم أطعمة عديدة ، ويحضرونها لهم بالمشقة الشديدة . فهل لو أراد رئيس الحكام - بما له من الرفق بالرعية ، والشفقة على الأهالي - بمنع هذه القضية بالكلية ليعودوا إلى التمسك بالسنة السنية ، المأثورة عن خير البرية وإلى عليه ربه صلاة وسلاما ، حيث قال : اصنعوا لآل جعفر طعاما يثاب على هذا المنع المذكور ؟ أفيدوا بالجواب بما هو منقول ومسطور . ( الحمد لله وحده ) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والسالكين نهجهم بعده . اللهم أسألك الهداية للصواب . نعم ، ما يفعله الناس من الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام ، من البدع المنكرة التي يثاب على منعها والي الامر ، ثبت الله به قواعد الدين وأيد به الاسلام والمسلمين . قال العلامة أحمد بن حجر في ( تحفة المحتاج لشرحك المنهاج ) : ويسن لجيران أهله - أي الميت - تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم ، للخبر الصحيح . اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم . ويلح عليهم في الاكل ندبا ، لأنهم قد يتركونه حياء ، أو لفرط جزع . ويحرم تهيئه للنائحات لأنه إعانة على معصية ، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس إليه ، بدعة مكروهة - كإجابتهم لذلك ، لما صح عن جرير رضي الله عنه . كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة . ووجه عده من النياحة ما فيه من شدة الاهتمام بأمر الحزن . ومن ثم كره اجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء ، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم ، فمن صادفهم عزاهم . اه‍ . وفي حاشية العلامة الجمل على شرح المنهج : ومن البدع المنكرة والمكروه فعلها : ما يفعله الناس من الوحشة