مجموعة مؤلفين
152
كتاب الأطباء القوصونيون
ومنها ، أن موصل النفع إلى الغير ، أفضل من غيره . وكلما كانت العطية أفضل ، كان المعطي أفضل . وكلما كان الأصل أفضل ، كان الثابت أفضل . فمعطي الصحة هو الله تعالى ، وحينئذ يجب أن يكون الطبيب في منصب هو أعلى المناصب . ومنها ، أن الطب جامع لجهات النفع ، فإن أراد الإنسان معرفة حقائق الأشياء ، فهي حاصلة بالطبّ ، لأنه يعرف بهذا العلم عجائب قدرة الله تعالى ، في تركيب هذا العالم ، وفي تركيب بنية الإنسان ، فإنه عالم صغير أو كبير . ويعرف به أسرار طبائع الحيوان والنبات ، والمعادن ، ثم يتوصل بذلك إلى معرفة الصانع الحكيم . وإن أراد حفظ الصحة وإزالة المرض ، فلا شكّ أن هذا العلم يفيد ذلك ، وإن أراد إيصال النفع إلى الناس ، فهذا العلم يفيد ذلك ، لأن معطي الذّهب إذا كان يسمى جوادا ، فمعطى الصحة إذا سمي بذلك ، كان أولى . وإن أراد التوصل به إلى تحصيل المال والجاه ، فمعلوم أن إفضاء هذا العلم إلى ذلك ، أشد من إفضاء غيره . ولما كان هذا العلم جامعا لجميع هذه الجهات ، من المصالح والمنافع وجب أن يكون أشرف من غيره . ومنها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه تداوى ، وأمر بالتداوي . فقد أخرج الترمذي من حديث أم سلمة . رضي الله عنهما ، قالت : كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء « 1 » . قال بعض الأطباء : إن في هذا الحديث فائدة عجيبة ، ولطيفة غريبة ، ظهرت منه صلى الله عليه وسلم لم يعرفها الحكماء قاطبة ، ولم يحقّقها « 2 » الأطباء تجربة ، وهي أن من فعل الحنّاء جذب الشوك ، الذي يتشّبث « 3 » بعضو « 4 » من أعضاء البدن .
--> ( 1 ) راجع الأحاديث النبوية في منافع الحناء في : صحيح البخاري ، كتاب الطب ، حديث رقم 5321 . ( 2 ) . . تحققها . ( 3 ) ب : ينشب . ( 4 ) ب : بعضه .