الشيخ داود الأنطاكي

31

نزهة الأذهان في إصلاح الأبدان

منه مرارا من غير فاصل ، فتمشت الحرارة الغريزية « 1 » كالحميا في المفاصل ، فبعدها شد من وثاقي ، وفصدني في عضدي وساقي ، فقمت بقدرة الواحد الأحد ، بنفسي لا بمعونة أحد ، ودخلت المنزل على والدي فلم يتماسك « 2 » سرورا ، وانقلب إلى أهله فرحا مسرورا ، وضمني إلى صدره وسألني عن حاله « 3 » ، فحدثته بحقيقة ما جرى لي ، فمشى من وقته إلى الأستاذ ، ودخل حجرته وشكر سعيه ، وأجزل عطيته فقبل منه شكره ، واستعفاه برّه ، وقال : إنما فعلت ذلك لما رأيت فيه من الهيئة الاستعدادية ، لقبول ما يلقى إليه من العلوم الحقيقية ، فابتدأت عليه بقراءة المنطق ثم أتبعته بالرياضي ، فلما تم شرعت في الطبيعي ، فلما أكملت اشرأبت نفسي لتعلم اللغة الفارسية ، فقال : يا بني ، إنها سهلة لكل أحد ، ولكني أفيدك اللغة اليونانية ، فإني لا أعلم الآن على وجه الأرض من يعرفها أحدا غيري ، فأخذتها عنه ، وأنا بحمد اللّه تعالى الآن فيها كهو إذ ذاك . ثم ما برح أن سار كالبدر يطوي المنازل لدياره ، وانقطعت عني بعد ذلك سيارة أخباره ، ثم جرت الأقدار بما جرت ، وخلت الديار من أهلها وأقفرت ، بتنكرها عليّ لانتقال والدي ، واعتقال ما أحرزته يدي « 4 » من طريفي وتالدي « 5 » ، فكان ذلك داعية المهاجرة ، لديار مصر والقاهرة ، فخرجت عن الوطن في رفقة كرام ، نؤم بعض المدن من سواحل الشام ، حتى إذا صرت في بعض ثغورها المحمية ، دعتني همّة علية أو علوية ، أن أصعد منه جبل عاملة « 6 » ، فصعدت منصوبا على المدح وكنت عامله ، وأخذت من مشايخها ما أخذت ، وبحثت مع فضلائها فيما بحثت ،

--> ( 1 ) الغريزية : في خلاصة الأثر ؛ الغريزية فيّ . ( 2 ) يتماسك : في خلاصة الأثر ؛ يتمالك . ( 3 ) حاله : في خلاصة الأثر ؛ حالي . ( 4 ) يدي : ساقطة في خلاصة الأثر . ( 5 ) الطريف : المستفاد من المال حديثا ، ويقابله التالد : المال القديم . ( المعجم الوسيط ، طرف ) . ( 6 ) جبل عاملة : في جنوب لبنان .