الشيخ داود الأنطاكي

209

ثلاث رسائل طبية لداود الأنطاكي

إرساله ، وتقوى عظامه ، ويكون على شبيه الغضروف ، ثم هو كل يوم يزداد يبسا وقساوة حتى ينتهي ، ويدرك كمثل قحفة الرأس لا يلتئم ما قرحه حتى تشتد حرارة الدماغ لانتشار في الجسم من الأكل والشرب ، وينشف الرطوبة البلغم الذي فوق الدماغ على الينافوخ الذي من تحت الجلد ، ويشتد لسانه حتى يصير عظما يابسا ، وكذلك أسنان المولود يكون بلغما في الدور في أصول الأسنان من تحت اللثة مختلطا بالفم واللثة ، فإذا ولد المولود ومص الثدي امتص ذلك البلغم في مركب الأسنان لامتصاصه إياه فاعتزل من الدم ، وانتشفت رطوبته ، ثم نبت الأسنان والأضراس من بعدها بحين ، بعد حين حتى يكون آخر نبتها إلى خمس وعشرين سنة . فهذا ما سألتني عنه يا جالينوس ، فقال : صدقت أيها الشيخ الحكيم ، إن القلب منزل الروح ، ومعدن الدم ، وبيت الحياة ، وملك الجسد ومن القلب تنشر الروح في الأعضاء ، وإليه ترجع الروح عند الموت حتى يستنقع من جوفه فلا يكون شيء إلا فيه ، فإذا خرج من القلب فات مكانه ، لأن للروح شعاعا كشعاع الشمس يستضيء به من استضاء به ، ويألف إليه من يألف إليه ، وله أيضا تغير عن حالته الأولى بما يداخله من استمتاع المكاره ، ويعتريه من إيذاء المكروه كضوء القمر ، ويغيره عن الشمس في الضوء والظلمة من الليل والنهار وله أيضا شعب ينال بها كل شيء يعاينه بعيدا كان أو قريبا فما ينال إلى ممالكه من ميل الشهوات تناول الروح شعبة ، وأدخله إلى القلب موضع الحيرة فأضاء إلى الروح ، واستنار لصبها ليألف إليه ، وكان من قواه فمن اهتم بشيء سوى العلم ، وفكر فيه ، كان الاهتمام أساس ذلك الشيء الذي اهتم بدله ، وفكر فيه فليلزم طالب العلم أساس علمي كيلا ينهدم بناؤه ، وإن للعلم أبوابا مفاتيحها العقل ، فمن لم يكن له عقل زكي ، وفطنة لطيفة ونظر دقيق كانت أبواب العلم متغلقة ، فينبغي لطالب العلم أن يحسن رياضة عقله في أحسن التدبير لطلب العلم ، وإن كان في أصله نظر دقيق