الشيخ داود الأنطاكي

210

ثلاث رسائل طبية لداود الأنطاكي

لاستكمال العقل ، وأن يتفكر في تدبيره فكرا عميقا لاستدراك المنفعة لأن من استكمال العلم حسن تدبيره ، والتفكر في أمره ، والنظر في دقائقه ، والطلب لأصوله ، فهذا الخبر الذي سألتني عنه يا جالينوس ، فافهمه عني . فقال له جالينوس : صدقت ، ثم قال جالينوس : يا بطليموس عن وصول ما يعرض للفؤاد من فرح ، أو حزن أو شهوة أو شناعة أو غضب ، أو غيظ أو سخط ، أو رضا ، أو خوف ، ونحو ذلك من أذى ، أو لهو مع أشياء كثيرة تعتري الفؤاد من غير وجع ولا لذة ، وما الذي يدخلها عليه حتى يجد من دخولها عليه الغم . فقال بطليموس : افهم مني يا جالينوس ، من علم ما سألتني ما تعرض للفؤاد « 1 » . اعلم أن العروق تنفخ عند ذلك ، ويدخل عليه منها الروح ، فإن هو سكن على ما عنده ، ولم يظهر وحده فيها بالبكاء ثار دخان من الفؤاد فصعد على الرأس فغشي الدماغ كله فوقع مغشيا عليه ، وربما فاجأه الأمر الفجيع ، فلم يستطع أن يظهر وجده بالبكاء ، والبكاء على قدر المصائب ، والدموع من رطوبة الكبد ، فهذا ما نظرناه ، واعتبرناه من أنفسنا ، واختبرناه من علمنا عندما تداخلنا من الحوادث والمصائب وعوارض الأسقام في نوائب الدهر من هم أو غيظ ، أو وجع ، أو نحو ذلك . حتى يبلغ المجهود وينقطع الصبر عنا ، ويصل الوجع إلى أجرافنا ، فتضيق منه صدورنا ، وتزجر منه قلوبنا ، وتطيش منه عقولنا ، ويحرك حر ذلك أكبادنا ، ويفتح بالبكاء عند ذلك أفواهنا ، ويرفع عنه ذلك بالدمل ، والبثور أصواتنا ، وتجري الدموع

--> ( 1 ) قال العلامة الطبيب الرئيس في ( حفظ الصحة ص 36 ) : حفظ العوارض النفسانية ينبغي أن يجتهد أن لا يداوم على الغم ، ولا يعود نفسه الغضب ، ولا يكثر من الغم والفكر ولا يستعمل الحسد ، فإن ذلك كله يغير المزاج ، ويهلك البدن ، ويحدث حميات رديئة ، وليلهم نفسه الفرح ، فإنه يقوي الحرارة الغريزية ، ويزيد البدن قوة ، والنفس نشاطا وأمنية . ( حفظ الصحة بتحقيقنا دار العصور ) .