الشيخ داود الأنطاكي

207

ثلاث رسائل طبية لداود الأنطاكي

فينبغي للدماغ إذا كان باردا رطبا بلغما أن لا يكون للعقل فيه موضع ولا الشعر فيه منبت ، لأن كثرة البرودة والرطوبة تزيد في الشعر رطوبة ورقة كما تزيد كثرة الماء والري في النبت رقة ، والعقل في الفكر في البرد ، ويجمد كما يجمد الماء في الثلج ، ويبرد ، والصبي الصغير ، والشيخ الهرم إذا كانا بلغميين ، وذلك لفضل بردهما على الحر وإن الوسط من الرجال إذا كان في طبائعه معتدل المزاج كان صحيح العقل ، والموسوس من الناس كلما برد دماغه ازداد عند ذلك ذهاب عقله ، لأن الدماغ إذا برد لم يكن للعقل فيه مجرى ، ولا ينفعه من الأطعمة والأشربة إلا ما كان فيه دسم حار لكي يعدل مزاجه وينبه عقله « 1 » .

--> ( 1 ) فائدة : قال ابن زهر : في ذكر أورام الدماغ نفسه : وقد يحدث في جوهر الدماغ نفسه بين أجزائه انصباب خلط - أي خلط كان - أو أخلاط إلى ما هنالك فيرم ما يمكن التورم فيه ، وهذا أعسر علاجا وأعوصها وأوحاها إهلاكا ، وأعظمها خطرا ، والفصد شامل لعلاجها ، وتلطيف الغذاء ، وأظن أن قبل ذلك يموت العليل لأعراض سوء تلحقه ، وذلك أن حركته الإرادية تعسر ، وربما ذهب معظمها فيلحق الاسترخاء ، وعند أول ما يلحق يموت العليل اختناقا لعدمه حركة الصدر . وبالجملة : فأظن أن علاج هذا بعد تمكنه متعذر ، فلهذا لا أطيل في تصنيف ذكر أسبابه وأعراضه . وربما حدث التورم عن خلط أو عن أكثر من خلط في الشبكة المعروفة بالشبكة العجيبة التي تحت أم الدماغ ، وتعرف هذا عويص ، ومن الأعراض التي تلحقه كما يلحق الظل الجسم شدة احمرار بياض العينين ، وغلظ أجفانها ، وثقل حركتهما وشدة الحمى ، وإن كان الفضل الممرض مائلا إلى البلغمية ما هو ، لمكان موضع التورم ، وأنا أرى أن علاج ذلك أولا بالفصد القيفال ، وإرسال الدم بغير إشفاق ، ثم من بعد ذلك فإني أرى فصد أحد العروق النوابض الظاهرة من اليدين واستفراغ شيء من دمه ، والقليل أوقية واحدة والكثير أوقية ونصف ، وبعد ذلك ألزمه تلطيف الغذاء ، حسبه ماء قد أنقع فيه التمر الهندي ، وصفي يتعاهده ساعة بعد ساعة ، فإن لانت الطبيعة بذلك فلينها علاج محمود . -