الشيخ داود الأنطاكي
206
ثلاث رسائل طبية لداود الأنطاكي
تدفعه إلى الطحال . واعلم أيها الملك أن الكبد حار مثل النار ، والمرارة ملزقة به ، وهي باردة كالثلج ، ولولا ذلك لم تطحن المعدة الأشحام ، والربع الرابع : الأسفل ملاكه الكليتين ، وهما حاران ، والثانية باردة ، ولولا حر الكليتين لأفسدت المثانة ربعها بالبرد ، ولولا برد المثانة لأحرق الكليتان ربعها بالحر فعند ذلك قال بطليموس لأصحابه : ما تقولون فيما نطقت به للملك ؛ فقالوا : بأجمعهم ، ما نطقت أيها الشيخ إلا حقّا ، ولا قلت إلا صدقا . قال : وقد نظرنا أيها الملك فيما تشاجرت علماء الهند ، والروم في طبيعة الدماغ واختلافهم فيه في الحر ، والبرد ، واللينة ، واليبس إذ قال حكماء الروم : إن الدماغ بارد رطب ، وفيه سلطان الدم ، وغير ذلك فيما قالوه ، وقال حكماء الهند : هو حار يابس ، ومعه البلغم ، وغير ذلك والرأي ما قررنا فيما تقدم ، والرأي في ذلك أيها الملك ينبغي أن يكون قوام هذا الجسد باعتدال الطبائع إذا اعتدل مزاجها في المقابلة في الحر والبرد كمثل مزاج الطحال بالكبد ، والرئة بالقلب في المقابلة في الحر ، والبرد ، وأن الدم معتدل المزاج ليس هو في الحر بأظهر منه في البرد ما لم تقارنه المرة الصفراء ، وهو مع ذلك كثير الرطوبة ، وإذا كان الدماغ باردا رطبا ، والدم معتدل المزاج في الحر والبرد رطبا يابسا ، إذا استولت عليه الرطوبة ؛ لأنه ليس فيه شيء من اليبس ، ولا ينبغي له أن يكون معتدل المزاج ولا ينبغي له أن يكون منه صلع الشعر أو يكون فيه محل العقل لأنه يوافقه زيادة الرطوبة ، والبرودة ، وأن الدماغ إذا ازداد برده على حره انقطع عند ذلك ، وفسد عند ذلك نبات الشعراء ، ويكون فيه محل العقل . فاعلم أيها الملك : إن كان ما قالوه حقّا حكماء الروم أن الدماغ بارد رطب وإذا زاد برده وصار رطبا يابسا غير معتدل المزاد فهذا قول منكر . ثم اعلم أيها الملك أن البرودة والرطوبة يجر إلى العي والبله ، وقلة العمل ، وقد رأينا مع ذلك ناسا إذا أبردت أدمغتهم انقطع عند ذلك عقلهم