جلال الدين السيوطي
7
الرحمة في الطب والحكمة
الباب الأول في علم الطبيعة وما أودع اللّه فيها من الحكمة وهذا الباب أهم الأبواب وأعظمها فائدة لطالب هذا العلم لأن من يتبحر في العلم الطبيعي لم يمر عليه شيء من المعادن والنبات إلّا عرف تركيبه ونفعه . فأقول واللّه تعالى أعلم : اعلم أن أول ما خلق اللّه تعالى طبيعة الحرارة ، وأصلها من الحركة الكونية التي هي قدرة اللّه تعالى وعلة العلل في الأشياء المتحركات ، ثم خلق اللّه تعالى طبيعة البرودة ، وأصلها من السكون الكوني الذي هو قدرة اللّه وعلة العلل في الأشياء الساكنات فهذان أول زوجين قال اللّه تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات : 49 ] ثم تحرك الحار على البارد بسر ما أودع اللّه فيه من الحركة المذكورة فامتزجا فتولد من الحرارة اليبوسة وتولد من البرودة الرطوبة ، فكانت أربع طبائع مفردات في جسم واحد : روحاني وهو أول مزاج بسيط ، ثم صعدت الحرارة بالرطوبة فخلق اللّه منها طبيعة الحياة والأفلاك العلويات وهبطت البرودة مع اليبوسة إلى أسفل فخلق اللّه منها طبيعة الموت والأفلاك السفليات ثم افتقرت الأجسام إلى أرواحها التي صعدت عنها ، فأدار اللّه تعالى الفلك الأعلى دورة ثانية فامتزجت الحرارة بالبرودة والرطوبة باليبوسة فتولدت العناصر الأربعة ، وذلك أنه حصل من مزاج الحرارة مع اليبوسة عنصر النار ، وحصل من مزاج الحرارة مع الرطوبة عنصر الهواء وحصل من مزاج الرطوبة مع البرودة عنصر الماء ، وحصل من مزاج اليبوسة مع البرودة عنصر التراب ، فهذا مزاج العوالم وهو مركب الازدواج للطبائع مرتين فخلق اللّه تعالى منه العوالم العلوية وركب منه المعدن فهو أول المركبات الثلاثة ، ثم أراد اللّه تعالى الفلك الأعلى إلى أسفل دورة ثالثة فتولد النبات والحيوان البهيمي ثم أدار اللّه تعالى الفلك الأعلى إلى أسفل دورة رابعة فتولد الحيوان الناطق الإنساني ، وهو آخر المركبات وأحسنها وأكملها تركيبا وهو غرضنا لما نحن بصدده من هذا العلم الطبيعي . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه الإنسان من أربعة أشياء : من الماء والطين والنار والريح ، أما إذا كثر من الماء فيكون حافظا أو عالما أو فقيها أو كريما ، وأما إذا كثر من الطين فيكون سفاكا خبيثا مفلسا في الدنيا والآخرة ، وأما إذا كثر من النار فيكون عوانا أو ظالما ، وأما إذا كثر من الريح فيكون كذّابا » . صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصدق حبيب اللّه . فصل في الأخلاط الأربعة الأول : خلط الصفراء : وهو حارّ يابس أصله متولد من عنصر النار الطبيعي ومسكنه من الإنسان المرارة .