جلال الدين السيوطي
28
الرحمة في الطب والحكمة
التاسع تدبير العوارض النفسانية : اعلم أن آفة القلب الهم والغم ، وراحته الفرح والسرور ، فأمّا الهم فهو ظهور الحرارة الغريزية في ظاهر البدن عند الاهتمام بالأمور المهمة فإن لم يحصل الغرض المقصود حصل الغم وهو دخول الحرارة الغريزية إلى داخل الجوف وظهور طبيعة السوداء وهي طبيعة الموت وربما مات بعض الناس عند ذلك ، وإذا كثر الغم والهم نحل الجسم لاختلافهما عليه . قال سيدنا علي كرم اللّه وجهه : أقوى خلق ربي طرا ابن آدم ، وأقوى منه السكر الذي يزيل العقل ، وأقوى من السكر النوم ، وأقوى من النوم الهم والغم ، فالهم والغم دواؤهما ما روي أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من عبد أصابه هم أو غم فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وشفاء صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلّا أذهب اللّه تعالى عنه همه وغمه وأبدله مكانهما فرحا وسرورا » وينبغي للإنسان أن لا يهتم إلّا بما يسهل حصوله في الغالب ولا يكثر منه أيضا ثم إذا حصل الغرض المطلوب أيضا فليفرح فرحا معتدلا ولا يفرط فقد يقتل الفرح المفرط أيضا لشدته فليعتدل ، ومن العوارض النفسانية أيضا شدة الغيظ والغضب وهما من الشيطان الرجيم لعنه اللّه والشيطان من النار ، فينبغي أن يطفئ ذلك بالماء كما جاء في الحديث الصحيح : « فليغتسل بالماء أو يسبغ الوضوء ويصلي ركعتين ثم يقول اللهم اغفر ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأعذني من الشيطان الرجيم فيهون غيظه ويسكن » ، ومن العوارض النفسانية أيضا الحزن على فائت من المال أو غيره فينبغي أن لا يكثر الأسف فإن الدنيا بأسرها فانية وليعد نفسه أنه لو أصيب بمصيبة أعظم منها لكان أعظم حزنا مثل أن يقع الحزن على فائت من المال فيقول لو وقعت هذه المصيبة في روحه لكان أعظم مصيبة ونحو ذلك مما يهون عليه الحزن فيهون عليه . قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ما أصبت بمصيبة إلّا ونظرت أن اللّه تعالى أنعم عليّ فيها ثلاث نعم . الأولى : أن اللّه تعالى هونها عليّ ولم يصبني بأعظم منها وهو قادر على ذلك . والثانية : أن اللّه تعالى جعلها في دنياي ولم يجعلها في ديني وهو قادر على ذلك . والثالثة : أن اللّه تعالى يأجرني عليها يوم القيامة . وقال بعض الأدباء في ذلك : لا تلق دهرك إلّا غير مكترث * ما دام يصحب فيها روحك البدن فما يدوم سرور ما سررت به * ولا يرد عليك الفائت الحزن فهذا القدر كاف في تدبير العوارض النفسانية . العاشر في تدبير أعضاء البدن الصحيح : اعلم أن البدن لا يستقيم على حالة واحدة ولكن تعرض له أشياء ضرورية ، فينبغي تدبيرها ومعاهدتها منها تدبير جملة البدن