جلال الدين السيوطي

234

الرحمة في الطب والحكمة

فما تم كلام سليمان عليه السلام إلّا وهي قائمة يجرونها بالسلاسل والأغلال فلما نظر إليها سيدنا سليمان عليه السلام وهو على كرسيه جالس خر ساجدا للّه فلما قام من سجوده ، قال : أيتها اللعينة واللّه لم أر أقوى منك بأسا ولا أشر منك بطشا فأعلميني بأمرك وباسمك وفعلك وجميع صنائعك وهي ناشرة أجنحتها مفتوحة تبحث الأرض وتشق الجبال والأشجار بأظفارها وبقدمها يتزلزل العرش وهي كالرعد القاصد وهي في السلاسل والأغلال يجرونها الجنود بأمر اللّه وبأمر سليمان عليه السلام ، ثم أقبل جبريل عليه السلام فقال لسليمان : سر بهذه اللعينة واحرقها حرقا صحيحا ودردر رمادها للريح فقالت يا سيدي سألتك باللّه الذي خلقني وخلقك لا تعذبني بالنار لأنه لا يعذب بالنار إلّا الملك العزيز الجبار وخفف عني هذا العذاب وأنا أعلمك بأمري وباسمي وجميع الصنائع ، فلما ذكرت لسليمان عليه السلام هذا الكلام عذّبها أشد العذاب وقال لها كيف نخفف عنك العذاب والشر كله منك فنطقت لسليمان عليه السلام وقالت : يا نبي اللّه أنا التابعة التي أخلي الديار وأنا معمر الهناشير والقبور وأنا التي مني كل داء ومضرة نومي على الصغير فيكون كأن لم يكن وعلى الكبير بالأوجاع والأمراض والعلل والبلاء العظيم والفقر وأسلط عليه ما لا يقدر عليه ونومي على المرأة عند الحيض أو عند الولادة فتعقر ولا يعمر حجزها ونومي على التاجر في تجارته بعد الفرح بالربح فيها فيخيب ويخسر ونومي على الأجير في إجارته لا تخليه يزيد على عشائه في جوفه أكثر ونومي على أصناف الصنائع كلها بالذي لا دواء لها والأمكاس هي مني بالأمن ومني الحمية والرمد واللطمة والوجع والضربة ومني كل داء وعلة وكلما يجري في الخلق فإنه من هؤلاء ونأخذ على قيام الليل ونشرب الماء على الصحة وتهلك الحرث وننقص المال . فقال لها سليمان عليه السلام : يا لعينة كيف تأخذي النساء والرجال والصغار وكيف تنقصي المال والحرث فقالت : يا نبي اللّه نأخذ الرجال على كل شيء وكذلك النساء وأما الصغار فندقّ عظمهم ونأكل لحمهم ونشرب دمهم ونخلي حجور أمهاتهم ونحب من الصغار والنساء أكحل العينين أحمر الوجه ونأتي إلى المال ونصيح عليه صيحة يجفل من صاحبه ونهب على وسطه كالريح ونهب على آخره كما يهب الغراب فلا يبقى منه شيء ، فلما ذكرت هذا الكلام لسليمان عليه السلام قال لها يا ملعونة فبعد هذا الفعل منك كيف نخفف عنك العذاب في السلاسل إنا نسجنك تحت الأرض في سابع طبقة ونذيب عليك الرصاص والنحاس ولأذيقنك عذابا شديدا وشرابا صديدا ، فقالت : يا نبي اللّه لا تعذبني بهذا العذاب فإن لي اثني عشر اسما ولي حروف ووفوق ولي خاتم فيه قول معروف وهو الذي منه المهابة والخوف وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الإسراء : 82 ] ونعطيك العهد والميثاق من علّق عليه ما ذكرت لك لأخرجن من عظمه ولحمه وجسده وشعره ولا بقيت أعود إليه ولا آتي المكان الذي هو