ابن الجوزي
139
دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه
العامي قلنا : لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه ، ويقال إن الله تعالى استوى على عرشه كما يليق به . 8 ) ومن الآيات قوله تعالى : ( أأمنتم من في السماء ) الملك 16 . قلت : وقد ثبت قطعا أنها ليست على ظاهرها ( 59 ) ، لأن لفظة " في " للظرفية والحق سبحانه غير مظروف ، وإذا منع الحس أن يتصرف في مثل هذا ، بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الخلق . 9 ) ومنها قوله تعالى : ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) الزمر : 56 .
--> ( 59 ) ومعنى قوله تعالى ( أأمنتم من في السماء ) إما أن يقال أن " من " عائد على الله تعالى فيكون المراد : أأمنتم العظيم الجليل أن يخسف بكم الأرض ، لأن العرب تصف من أرادت تعظيمه وإجلاله وبيان سامي قدره ورفيع مكانته بأنه في السماء ، فتقول : فلان في السماء ، وأين الثرى من الثريا ونحو ذلك ، وهذا مشهور ومعلوم وإما أن يراد ب ( من ) الملك الذي يرسله الله عز وجل فيخسف الأرض بالظالمين الفجار ، والملائكة مسكنها السماء . وقوله تعالى ( أأمنتم من في السماء ) مؤول عند المجسمة ب ( من على السماء ) بدليل قوله تعالى : ( لأصلبنكم في جذوع النخل ) أي عليها ، لكنهم لم ينتبهوا إلى أن التعبير ب ( في جذوع النخل ) يقتضي المبالغة في الانتقام الشديد في البلاغة ولذلك عبر عنها " بفي جذوع النخل " مجازا بدل " على جذوع النخل ، وهو الأصل ، لأن ظاهر " في " في اللغة الظرفية ، والله تعالى غير مظروف كما قال المصنف ، ومثل ما قلنا هنا من تأويل وتفسير قوله تعالى : ( أأمنتم من في السماء ) قال الحافظ أبو حيان في تفسيره " البحر المحيط " ( 8 / 302 ) والله الهادي . فظاهر قوله ( من في السماء ) غير مراد كما أن ظاهر ( وهو معكم ) و ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون " غير مراد ، وكذا ظاهر ( وليعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " غير مراد أيضا لأنه يفيد حدوث علم جديد لم يكن عند الله عز شأنه قبل الجهاد والصبر ، والله الموفق .