نجيب الدين السمرقندي
377
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
وتقوية الحرارة الغريزية وزيادتها غير مقدور في أكثر الأمر فتعين تنقيص الرطوبة وذلك إنما يكون بالتبخير والتبخير انما يكون بالحرارة بأن يتصرف في الرطوبة تصرفا تستحيل منه بعض الاجزاء المائية إلى الهوائية وتنحلّ وذلك هو الغليان ؛ فإن قويت الغريزية على تبخير تلك الرطوبة ، بقيت العصارة محفوظة وإن لم تقو على ذلك استولت الغريبة عليها وغيّرتها ، فتارة تبلغ فعلها إلى حد تبطل صورتها النوعية بالكلية كما يصير عصير العنب خمرا أو خلا ، وتارة لا تبلغ إلى ذلك الحد فتحدث منها العفونة والفساد . وذلك الغليان في دم صاحب الجدري والحصبة إما طبيعي يعرض من الحارّ الغريزي والقوى الطبيعية مثل ما يعرض للصبيان لدفع الطبيعة ما في دمائهم من الفضول الرطبة المتولدة من اللبن ودم الطمث فإن الجنين في البطن يغتذى بدم الطمث وبعد الخروج باللبن وهو دم الطمث بعينه وهذا الدم فضل من فضول بدن الأمّ يغتذى الجنين بأجود ما فيه ويبقى الباقي فضلا مائيا في بدنه لضعف حرارته عن تحليله بالتبخير إلى أن تشتدّ الحرارة فتحرّكة بالغليان والنشيش « 1 » وتميز الاجزاء المائية عنها ودفعها إلى الجلد وغيره من الأعضاء المتشابهة الاجزاء ، مثل : الحجب والأعصاب حتى تصير دماؤهم أمتن وأقوى وحيث كانت تلك الرطوبة كثيرة جدا « 2 » ولم تقو الغريزية على تبخيرها والتصرف فيها وحدها ، تستولى الغريبة عليها أيضا عند الغليان وتحدث فيها عفونة فمن حيث أن هذا الغليان سبب لصلاح حال البدن وتنقيته من الفضول الرديئة ، علم أنه من الغريزية على ضرب من البحران ومن حيث أنه لا يخلو من العفونة والحمى ، علم أنه من الغريبة والتصرف لكلتا الحرارتين وليست اليد لواحدّة منهما حتى تعزل الأخرى عن التصرف ، لكن الغريزية أقوى ولذلك كانت العفونة يسيرة وآثار صلاح البدن ظاهرة كما تسقط الأسنان المتولدة في حالة الطفولية حتى ينبت مكانها ما هو أقوى منها وأقدر على المضغ والكسر ولذلك لا يفلت منه أحد من الصبيان ، لأنه لا بدّ من انقلاب دمائهم عن الرقة والمائية إلى المتانة وقلّما يتفق هذا
--> ( 1 ) . هو صوت يحصل للماء عند غليانه . ( 2 ) . ومن هاهنا أن الحمى الجدري والحصبة قد لا يعرض فيمن لم يكن الرطوبة فيه بذلك الكثرة .