نجيب الدين السمرقندي
294
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
الأعصاب والأوتار قد غشى بالغشاء الرقيق والغليظ اللذين غشى بهما جوهر الدماغ والنخاع كما غشيت فروع الشجر بالقشر الذي قد غشى به أصله وهذان الغشاءان صفيقان لا تنفذ فيهما المواد الغليظة فلذلك لا يحدث التشنج في وجع المفاصل ، وأما الأوتار فإنها إنما توجب التشنج إذا نفذت المادة في شظايا العصبة التي هي جزؤها فإن كان في مفاصل القدمين - مثل مفصل الكعب والأصابع لا سيّما من الابهام - فيقال له النقرس « 1 » ، وانما تشتدّ هذه الأوجاع خاصة وجع النقرس لضيق المفاصل بالنسبة إلى سائر أوعية البدن فان المفاصل جعلت آلة للانثناء والانبساط ولم يمكن أن يتأتى منها ذلك لو كانت مصمّتة أو ضيّقة قصيرة الرباطات ؛ لأن ذلك انما يتم بانتقال رؤوس العظام المفصلية عن موضعها وهو لا يمكن الّا بحصول فضاء في المفصل خال عن المصادم والمزاحم ويختلف ذلك الفضاء في السعة والضيق بحسب اختلاف المفاصل في مقدار الانتقال فلا تسع فيها المواد فتمدّدها تمديدا شديدا « 2 » ، ولأن حسها قوى لكثرة ما يأتيها من الأعصاب ولأن المواد لا تتحلّل منها بسرعة كما تتحلّل عن الأعضاء الرخوة لصلابتها فإنها مؤلفة من العظم والغضروف والوتر والرباط والعصب وهذه أصلب أجزاء البدن ولما يحويها من الرباطات من جميع الجوانب وهي أجسام صفيقة متلززة لا تندفع عنها الفضول سريعا ، ولأن الحركة من جملة أسباب التحليل وهذه الأعضاء تتعطّل عن الحركة عند وجود الوجع « 3 » ، ولأن الحرارة فيها ضعيفة أيضا
--> ( 1 ) . قال في « كشف الإشكالات » : واعلم أن المواد الرقيقة إذا احتبست بين العظام والأغشية التي في أسافل القدم وأصابعه لأجل تكاثف الجلد واللحم الذي هناك فلا يتمكن من التحلل والبروز من تلك الأغشية فيمدّدها تمديدا شديدا لأجل نفوذها منها [ و ] هذا التمديد يحدث وجع النقرس . وانما قلنا المواد الرقيقة باعتبار الأكثرية لأن مواد النقرس في الأكثر تكون هي البلغم الرقيق المائي . ( 2 ) . ولأجل تمديدها غشاء العظم الذي هناك وتمزيقها له يعرض الوجع شديدا لتفرق اتصاله ولذلك لا يعرض الوجع للمفاصل التي يكون بالتصاق أحد العظمين بالآخر كمفصل عظمى الساعد ولا المفاصل التي يكون بالشؤون كمفاصل عظام الرأس . وقيل السبب في شدة عروض الأوجاع في المفاصل بأنها أضعف مزاجا . [ وسيأتي معنى ضعف مزاجها في البحث عن سبب هذه العلة عنقريب ] . ( 3 ) . لأن المفصل إذا تحرك ضغط المادة المحتبسة وأبرزها واضطر بذلك إلى شدة تمديد الغشاء فيعرض الوجع ولذلك كثيرا ما يكون هذا الوجع مختصا بحركة ذلك العضل فالطبيعة لا تحرك الأعضاء خوفا للوجع .