نجيب الدين السمرقندي

61

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

عليها الحركات والصفراء أيضا خفيفة على القوة لا تضعفها عن حمل الأعضاء بثقلها . والهذيان والغضب وهو كيفية نفسانية تصحبها حركة الروح إلى الخارج طلبا للانتقام وسببه رقّة المادة وصفائها وزيادة سخونتها فيكثر اشتعالها وتسرع حركتها ومثل هذا الغضب يكون أسرع هيجانا لشدة حرارة الروح المتولدة من هذا الدم وأسرع انحلالا للطافتها فيبرد بسرعة وسوء الخلق لكثرة الغضب وفساد العقل . وإذا كان الورم في مقدم الدماغ أفسد التخيل بالتشويش ، لأنه موضعه والمراد بالتخيل هاهنا استحضار الصور المخزونة في الخيال واسترجاعها عند غيبوبتها عن الحواس الظاهرة لا التصرف في مستودعات الخيال ومعانيها الجزئية بالتركيب والتفصيل ، لأنه من افعال القوة المتخيلة التي محلها البطن الأوسط من الدماغ . ويكون الفكر والذكر سليمين كما عرض ل « ديوقلس » الطبيب فكان يتخيل أن في بيته قوما يزمرون ويلعبون ولا يفترون ساعة فيأمر بسلامة فكره بإخراجهم ويصيح ولسلامة ذكره كان يعرف من يدخل عليه من الصديق والعدو . وهذا إنما يكون عند ابتداء العلة وضعفها وأما عند الإشتداد فتختل باقي الأجزاء بالمشاركة . وإن كان الورم في وسطه وهو موضع الفكر أفسد الفكر بالتشويش أيضا ويقال لذلك اختلاط العقل « 1 » كما يعرض للرجل الذي يغلق باب الحجرة على نفسه ويفتح الكوة ويسأل الناس هل يحبون أن يرمى إليهم بشئ فإذا سموا له شيئا رمى إليهم ولا يتخيل شيئا مثل ما يتخيل الرجل الطبيب ويعرف كل شئ يرمى به وفائدته ومنفعته لسلامة ذكره لكن لا يعلم أنه مخطىء فيما يصنع ، وإذا كان في مؤخره وهو محل الذكر ، أفسد الذكر بالتشويش أيضا ويقال لذلك رداءة الذكر وهذا نادر ؛ لأن تضرر هذه القوة في الأكثر يكون من البرد . وإن كان الورم فيها أي في الأقسام الثلاثة جميعا ، بطلت أي تشوّشت هذه الأفاعيل كلها .

--> ( 1 ) . : لأن العقل الذي هو النفس الناطقة تدرك المعاني الكلية بنفسها والجزئية بواسطة قوة المفكرة ويتصرف فيها كالتصرف في المسائل العلمية في أمر المعاد والمعاش بواسطتها فإذا فسدت اختلط فعلها بفساد الآلة .