نجيب الدين السمرقندي

116

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

الرديئة لفساد الدماغ وتغيره عن المجرى الطبيعي خصوصا إذا كان السبب في الأوسط منه ؛ كما حكى « جالينوس » أن رجلا من البلغاء تخوف بفساد فكرته أن اللّه تعالى يعى بإمساك السماء فيرسل عليه فيموت تحتها وكان يهرب من المشي تحتها . وحكى « الطبري » أن رجلا أصاب من فساد الدماغ ما لم يسمع مثله وذلك أن أصحابه وجدوه ليلا وقد قطع بعض حلقه فسألوه عما دعاه إلى ذلك : فذكر أنه رأى رجلا ونساءا قد اجتمعوا حول منزله منهم من يقول احفظه إلى الصباح لئلّا يهرب ومنهم من يقول إن لم يحرس يلقى نفسه في البئر ويقول الآخر الرأي لهذا أن يقتل نفسه ويستريح فقام إلى سكّين وذبح نفسه غير أنه غشى عليه فسقط . وقد يبلغ الفساد في بعضهم إلى حد يظن أنه يعلم الغيب وكثيرا ما يخبر بما سيكون قبل كونه . وسبب ذلك أن المرة السوداء إذا استولت على الدماغ أوهنت التخيل وحلّلت الروح المنصب في وسط الدماغ الذي هو آلته بسبب كثرة الحركة الفكرية اللازمة لها وإذا وهن التخيل سكن عن التصرف فتفرغ النفس عنه فإنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما يرد عليها من الحواس باستخدام التخيل وعند سكونه ووهنه يحصل لها الفراغ بالضرورة لتعطل الآلة فيتصل بالعوالم العالية المقدسة بسهولة فيفيض عليها سانح غيبى مما يليق بها من أحوالها وأحوال ما يقرب منها من الأهل والولد والبلد وينتقش فيها وذلك غير ممنوع وهذا يشبه تعاكس الصور من مرآة في مرآة أخرى يقابلها عند ارتفاع الحجاب بينهما . وإذا ورد عليها السانح يحرك التخيل إليها وتلقيها وذلك بسبب أمرين : أحدهما ، يعود إلى التخيل وهو أنه إذا استراح وزال كلاله وكان الوارد امرا غريبا منبّها ، ينتبه له لكونه بالطبع سريع التنبه للأمور الغريبة . وثانيهما ، يعود إلى النفس وهو أنها تستعمل التخيل وتستخدمه بالطبع في جميع حركاتها وأفعالها فإذا قبله التخيل وكانت الشواغل زائلة عنه بسبب المرض وضعف الحس لبست صورة مناسبة وانتقش منه في لوح الحس المشترك فصار في حكم المشاهد والمسموع . وقيل سبب ذلك استيلاء اليبس على مزاج الدماغ والروح الذي فيه فتبطل المقاومة التي يقع من العقل النظري للتخيل أي استخدامه له فيقوى التخيل حتى لا يكاد يذعن للحس وقد ضعف الحس أيضا لفساد المزاج فلا يمانع التخيل كثير