نجيب الدين السمرقندي
109
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
وأما فساد الفكر فهو إنه لا يمكنه التفكر في شئ البتة أي لا يمكنه ترتيب ما حصل له في الذكر من المقدمات الجزئية أو ما حصل له في العقل الفعال من المقدمات الكلية المستفادة من تلك الجزئيات ليتوصل به إلى علم ثالث أو يفسد عليه ما يتفكر فيه لفساد إحدى المقدمتين فكلما يشتغل بترتيب إحداهما تفوت منه الأخرى . وسببه : استيلاء البرد والرطوبة على القسم الأوسط من الدماغ الذي هو محل الفكر فيبرد الروح ويتكاثف ويغلظ قوامه فيبطل الفكر أو ينقص لأن الفكر حركة الروح من الأوسط إلى المؤخر ثم رجوعه منه إلى الأوسط والحركة إنما تكون بالحرارة ولذا جعل مزاج هذا البطن أميل إلى الحرارة من البطن الأول والآخر ولو كان الفساد من الحرارة لكانت الحركة الفكرية مشوشة متفننة . وقد يكون سببه استيلاء البرد المفرط الساذج وقد يكون مع اليبس إلّا أنه إذا كان مع الرطوبة كانت الآفة أشد ؛ لأن الرطوبة تعينه في تبليد حركة الروح وبطؤها . وهو أي فساد الفكر وإن لم يكن نسيانا بالحقيقة إلّا أنه قريب من النسيان من حيث أن صاحبه لما لم يقدر على استنباط النتيجة من المقدمتين المستودعتين عند الحافظة والعقل الفعال أو استنباط المعرّف عن المعرّف وغير ذلك من الأشياء العملية ، اشتبه حاله بحال من نسيهما ولم يتذكرهما فاطلق عليه النسيان مجازا . والجمهور يسمّون هذه العلة حمقا إن كان الفساد فيما يتعلق بتدبير منزله وأهله وأخلاقه وغير ذلك من الأشياء العملية وبلادة إن كان في العلوم والمسائل الدقيقة . وعلامته : علامات بطلان الحفظ من البرودة والرطوبة إلّا أن الثقل هاهنا يكون في وسط الرأس أكثر . وعلاجه : علاجه من التنقية وتبديل المزاج بعد مراعاة موضع العلة في الأطلية والمروخات . وأما فساد التخيل فإما أن ينقص ويضعف عن الأمور التخيلية أي عن ضبط صور المحسوسات المخزونة في الخيال واستحضارها على ما هي عليه عند غيبوبتها عن الحواس الظاهرة ولا يرى الرؤيا والأحلام إلّا قليلا وينساها وذلك لأن الحس المشترك هو لوح النقوش التي إذا تمكّنت وارتسمت فيه صارت في حكم المشاهدة وكما ترتسم النقوش فيه من الحواس الظاهرة ، ترتسم أيضا من الحواس