أبي بكر بن بدر الدين البيطار
51
كامل الصناعتين في البيطرة والزردقة ( الناصري )
يوم شديد الحر ، فبطل الرش ، وأرسل الله تعالى مطرا جودا ، استمر ليلتين ويوما ، حتى كثر الوحل وتلبدت الأرض ، وسكن العجاج ، وبرد الجو ولطف الهواء ، فوكل السلطان من يحفظه من السوق فيه يوم اللعب ، وهو يوم الخميس السادس والعشرون من شهر رمضان ، وأمر بركوب جماعة لطيفة . من كل عشرة اثنان ، وكذلك من كل أمير ومن كل مقدّم ، لئلا تضيق الدنيا بهم ، فركبوا في أحسن زي ، وأجمل لباس ، وأكمل شكل ، وأبهى منظر ، وركب السلطان ومعه من خواصه ومماليكه ألوف ودخلوا في الطعان بالرماح ، فكل من أصاب خلع عليه السلطان ، ثم ساق في ممالكيه الخواص خاصة ، ورتبهم أجمل ترتيب ، واندفق بهم اندفاق البحر ، فشاهد الناس أبهة عظيمة ، ثم أقيم القبق ، ودخل الناس لرمي النشاب ، وجعل لمن أصاب من المفاردة ، رجال الحلقة والبحرية الصالحية وغيرهم ، بغلطاقا بسنجاب ، وللأمراء فرسا من خيله الخاص ، بتشاهيره ومراواته الفضية الذهبية ومزاخمه ، وما زال في هذه الأيام على هذه الصورة يتنوّع في دخوله وخروجه تارة بالرماح ، وتارة بالنشاب ، وتارة بالدبابيس وتارة بالسيوف مسلولة ، وذلك أنه ساق على عادته في اللعب ، وسل سيفه ، وسل مماليكه سيوفهم ، وحمل هو ومماليكه حملة رجل واحد فرأى الناس منظرا عجيبا ، وأقام على ذلك كل يوم من بكرة النهار إلى قريب المغرب ، وقد ضربت الخيام للنزول للوضوء والصلاة ، وتنوع الناس في تبديل العدد والآلات ، وتفاخروا وتكاثروا ، فكانت هذه الأيام من الأيام المشهودة ، ولم يبق أحد من أبناء الملوك ولا وزير ولا أمير كبير ولا صغير ، ولا مفردى ولا مقدم من مقدمي الحلقة ، ومقدمي البحرية ، ومقدمي المماليك الظاهرية البحرية ، ولا صاحب شغل ، ولا حامل عصا ، في خدمة السلطان على بابه . ولا حامل طير في ركاب السلطان ، ولا أحد من خواص كتاب السلطان ، إلا وشرّف بما يليق به على قدر منصبه ، ثم تعدى احسان السلطان لقضاة الاسلام والأئمة وشهود خزانة السلطان ، فشرفهم جميعهم ثم الولاة كلهم ، وأصبحوا بكرة يوم الأحد ثامن عشرين رمضان لا بسين الخلع جميعهم ، في أحسن صورة ، وأبهج زي ، وأبهى شكل ، أجمل زينة ، بالكلوتات الزركش بالذهب ، والملابس التي ما سمع بأن أحدا أجاد بمثلها ، وهي ألوف وخدم الناس جميعهم ، وقبلوا الأرض وعليهم الخلع ، وركبوا ولعبوا نهارهم على العادة ، والأموال تفرق ، والاسمطة تصف ، والصدقات تنفق ، والرقاب تعتق ، وما زال إلى أن أهلّ هلال شوال ، فقام الناس وطلعوا للهناء ، فجلس