محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

11

في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم

ويضيف ابن سينا : [ إنّ حركة الجفن ضحاكة كأنّه ينظر إلى شيء لذيذ أو يسمع خبرا سارّا ، ويكون نفسه كثير الانقطاع والاسترداد ، فيكون كثير الصعداء ، ويتغيّر حاله إلى فرح وضحك أو إلى غمّ وبكاء عند سماع الغزل ، لا سيّما عند ذكر الهجر والنوى ، وتكون جميع أعضائه ذابلة ، خلا العين ] « 1 » . والواضح أنّ هذه الأعراض ظهرت على مريضنا بالإضافة إلى الصفرة والنحافة وقلّة الشهوة للطعام ، والشكوى من آلام مجهولة المصدر يحسّ بها ، ولكن أخاه حاول علاجه عن طريق أطبّاء ذلك الزمن ، فلم يفلحوا لأنّ أسباب أوجاعه ليست عضوية المنشأ ، بل هي نفسية ناجمة عن عاشق مدنف ، وقد أدركت الحيرة أيضا « الحارث بن كلدة » حين قدم لمعالجته ، ولاحظ في وصفه التشخيصي علامة هامّة [ أرى عينين محتجبتين ، وما أدري ما هذا الوجع ، وسأجرّب ] « 2 » ، ففي مرض يصعب تشخيصه في البداية كان لا بدّ من ( التجربة ) ، وعلى هذا قرّر « الحارث » أن يسقي المريض نبيذا ، وقد فعل الشراب المسكر فعله في حلّ عقدة لسانه ، وصرّح بما يجول في صدره من غرامه الملتهب ، وما جرى أنّ الرواية انتهت نهاية مأساوية ، إذ قام الأخ بتطليق زوجته [ وهي لا ذنب لها ، كما أنّنا لا ندري بالمناسبة هل بادلت المريض عشقه أم لا ، ولا شيء في سياق الحكاية يوحي بذلك ] وطلب من أخيه أن يتزوّجها ، الذي قابل هذه المبادرة بالرفض ، ومات بعد فترة ، ودفع حياته ثمنا لهذا العشق المحرّم . ونستنتج أنّ العلاقة بين النفس والجسد وثيقة ، وعلى كون الصحّة العامة نتاج التوازن بين صحّة النفس وصحّة

--> ( 1 ) المصدر السابق - ج 2 - ص 72 . ( 2 ) ابن أبي أصيبعة - عيون الأنباء - ص 166 .