ابن النفيس

9

شرح فصول أبقراط

وفي صدر الإسلام ، كان العرب يعرفون صناعة الطب . يقول صاعد الأندلسي : وكانت العرب في صدر الإسلام لا تعنى بشيء من العلم ، إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها ، حاشا صناعة الطب ، فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم ، غير منكرة عند جماهيرهم ، لحاجة الناس طرّا إليها « 1 » . . وفي معظم كتب السيرة ، يذكر أن النبي عليه الصلاة والسّلام ، قد حدث له في طفولته أثناء إقامته بديار بني سعد ، حادثة شق الصدر المشهورة . ولسنا هنا في مقام الأخذ والرد في صحة الحادثة في ذاتها ، وإنما حسبنا أن نشير إلى أن عملية ( شق الصدر ) كانت أمرا واردا عند العرب آنذاك ، مما يعني إدراكهم للعمليات الجراحية ، ولولا ذلك لما قبلت القصة أصلا لدى من آمنوا بها قبل بعثة النبي . أما إشارة بروكلمان إلى ما ذكره الجاحظ من أن الناس ، كانوا في عصره ينصرفون عن الأطباء المسلمين إلى غيرهم من الأطباء النصارى والأعاجم ؛ فتلك إشارة لا تخلو منها أية كتابة استشراقية في تاريخ الطب العربي ، وكان أول من هلّل بها المستشرق الإنجليزي ( براون ) المعروف بكراهيته للمسلمين ، والمعروف أيضا بإثارته للحركة البابية ، ومن بعدها الحركة البهائية ، وهما من أشد الحركات خطورة على الإسلام في العصر الحديث . وما ذكره الجاحظ في واقع الأمر ، هو حكاية هزلية وردت في كتاب البخلاء ، وهو واحد من أشهر كتب أدب الفكاهة في التراث العربي . تقول الحكاية إن طبيبا مسلما اسمه ( أسد بن جاني ) كسد حاله مرة ، فقيل له عن سبب هذا الكساد ، وهو الطبيب العالم الحكيم ، فقال : « أما واحدة ، فأنا عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم . أن المسلمين لا يفلحون في الطب . واسمي أسد ، وقد كان ينبغي أن يكون اسمي صليب ومراسل ويوحنا . وكنيتي أبو الحارث ، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى وأبو زكريا . . ولفظي عربي ، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور » « 2 » . ولو دقق براون ، ومن أخذوا بفهمه لحكاية الجاحظ ، لتبين لهم عدة أمور : أولها أن الجاحظ ، إنما يسخر من الخلفاء في عصره ؛ لاتخاذهم أطباء غير مسلمين . وإلّا فالأطباء الأعاجم كانوا وقفا على الخلفاء دون سواهم ، ولم يعرف عنهم علاج سائر

--> ( 1 ) صاعد الأندلسي : طبقات الأمم ( تحقيق لويس شيخو ، بيروت 1912 ) ص 47 . ( 2 ) الجاحظ : البخلاء ( ليدن 1900 م ) ص 109 .