ابن النفيس

10

شرح فصول أبقراط

المسلمين . والأمر الثاني أن ( أسد بن جاني ) هذا شخصية من خيال الجاحظ ، أراد الجاحظ أن يسرد هذه النادرة من خلاله ، ليلمح للخليفة بخطأ تفضيله الأطباء غير المسلمين . وقد عرف عن الجاحظ ولاء شديد للعرب والمسلمين . وأمر ثالث ، هو أن الجاحظ لم يقصد بكتاب البخلاء أن يقدم تأريخا لعصره ، وإنما هو كتاب أدبي قصد به الإضحاك واللهو ، وصرّح في مقدمته بقوله : « وأنت في ضحك منه إذا شئت ، وفي لهو إذا مللت الجد » . وما من شك ، على الرغم مما سبق ، في أن التراث الطبي اليوناني ، في صيغته السكندرية ( الهلينيتية ) الأخيرة ، كان أكثر المقدمات والأصول القديمة للطب العربي الإسلامي . لكنه على كل حال ، لم يكن المقدمة الوحيدة ولا الأصل المنفرد ؛ فقد ترجم العرب منذ وقت مبكر ( أيضا ) التراث الطبي للهنود ! وها هو « كتاب شاناق في السموم والترياق » ، يقوم دليلا على تنوع مقدمات وأصول الطب العربي الإسلامي . وختاما ، فإن الذي تميل النفس إلى القول به : إن قافلة المعرفة الإنسانية دائمة الترحال ، فقد تحط رحالها عند قوم حينا من الدهر ، ثم لا تلبث أن تنير ديار أقوام غيرهم . وما كان العلم موقوفا على شعب معين ، فقد حملت اليونان القديمة مشعل الحضارة والمعرفة ، مستلمة إياه دون أدنى شك من حضارات سبقتها ، ثم حمل المسلمون هذا المشعل ليسلموه بدورهم إلى الغرب . . وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ !