ابن النفيس

8

شرح فصول أبقراط

وبرغم هذا التقرير الذي جعله بعض المستشرقين مسلّمة في تاريخ الطب الإسلامي ، فإن الحقيقة بخلاف ذلك . . فقد عرف العرب - قبل الإسلام ، - الطب ، بل وعرفوا الجراحة أيضا . ففيما يتعلق بمعرفة العرب للطب ، حتى قبل ظهور الإسلام ، أبان د . خالد الحديدي عن وجود مدرسة طبية ببلاد اليمن ، كانت لها فلسفتها الطبية المستقلة « 1 » ، كما عرف من العرب أطباء مشاهير كالحارث بن كلدة الثقفي ( من الطائف ) الذي كتب أمثالا على شاكلة فصول أبقراط ، منها ما نسب إليه من قوله : « البطنة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء » « 2 » . ومن معاصري الحارث ، كان الطبيب العربي ابن أبي رمثة التميمي ( من تميم ) الذي يعتبر من أوائل الجراحين العرب المشهورين « 3 » . . وثمة حكاية دالة في هذا الصدد ، عرفت بشكل غير مباشر من خلال رثاء الخنساء - أشهر شاعرات العرب وأشعرهن ( توفيت سنة 23 ه ) - لأخيها صخر . ومن تلك المراثي قصيدتها الشهيرة التي مطلعها : يؤرّقني التذكر حين أمسي * فأصبح قد بليت بفرط نكس فقد كان هذا الأخ الذي تؤرّق ذكراه الخنساء ، قد غزابني أسد وغنم منهم ، ولكن أصابته طعنة من ( ربيعة بن ثور ) دخل بسببها حلق من الدرع في صدر صخر . وما لبث بعد ذلك أن ظهر بصدره الورم المسمى بلغة العلم الحديث Foreign body reaction أو الورم الناتج عن دخول جسم غريب ، فقام أحد الأطباء بإجراء جراحة له ، واستخرج حلق الدرع من صدره ، وتمت الجراحة بنجاح « 4 » . إلا أن صخرا مات بعد أيام ، ليحفل الشعر العربي بمراثي أخته الخنساء ، وهذا دليل على أن العرب أجروا الجراحات الدقيقة .

--> ( 1 ) انظر ، د . خالد الحديدي : لا بد من صنعاء . . ( اكتشاف لمدرسة طبية ) . ( 2 ) فيما يتعلق بالحارث بن كلدة ، انظر : أخبار العلماء بأخبار الحكماء ، ص 111 / عيون الأنباء ، لابن أبي أصيبعة ، الجزء الأول ص 113 / ، الأعلام لخير الدين الزركلي . ( 3 ) سامي حمارنه : فهرس مخطوطات الظاهرية ( الطب ) دمشق 1969 ، ص 31 . ( 4 ) خالد الحديدي : موسوعة الأراجيز والمنظومات الطبية ( المقدمة ) 1985 ، ص 8 .